
دراسة جدوى من (133) صفحة لتأسيس وزارة: هل أثبتت الحاجة إلى وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة في العراق؟
الملخص التنفيذي
تتناول هذه المقالة المبررات المؤسسية والاقتصادية لاستحداث وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة في العراق، انطلاقاً من تصريح الوزير محمد صاحب الدراجي بشأن دراسة جدوى من (133 صفحة). ولا تفترض المقالة عدم صلاحية الدراسة قبل الاطلاع عليها، بل تميز بين جدوى التحول الرقمي بصفته سياسة وطنية وجدوى إنشاء وزارة مستقلة لتنفيذه. وتعرض أسئلة قابلة للتحقق بشأن البدائل المؤسسية، واختصاصات البنك المركزي، وحوكمة البيانات، والأمن القومي الرقمي، والتكاليف ومؤشرات الأداء.
المقدمة: من التصريح التلفزيوني إلى السؤال المؤسسي
تابعت لقاء السيد وزير الاقتصاد الرقمي والحوكمة محمد صاحب الدراجي مع الإعلامي سامر جواد، وما طرحه بشأن مبررات استحداث الوزارة ودراسة الجدوى والجهات التي ناقشت المشروع. وذكر الوزير أن الدراسة تتألف من (133 صفحة)، وأن العمل على الفكرة استغرق نحو سنة، مع لجنة برئاسة مستشارة في مكتب رئيس مجلس الوزراء وندوات لمركز النهرين للدراسات الاستراتيجية. وقال في المقطع المتاح: «واللي يريد يتحدى خلي يجيني يتفضل يمي أرويه دراسة الجدوى هاي».
تلك الدعوة تستحق استجابة بحثية لا سجالاً شخصياً. فالحاجة إلى التحول الرقمي في العراق واضحة، وكذلك الحاجة إلى سياسات للاقتصاد الرقمي. لكنهما لا تثبتان، بمفردهما، أن وزارة مستقلة هي الخيار الأكثر جدوى. والسؤال المركزي هنا: هل اختُبرت البدائل المؤسسية والتكاليف والمخاطر والصلاحيات قبل اختيار نموذج الوزارة؟
أولاً: 133 صفحة لا تحسم الجدوى وحدها
حجم الدراسة ومدة إعدادها وعدد المشاركين فيها مؤشرات على الجهد المبذول، وليست بديلاً عن سلامة المنهجية. ويجب التمييز بين تقدير المنافع الاقتصادية للتحول الرقمي عموماً وتقدير المنفعة الإضافية الصافية الناجمة تحديداً عن إنشاء وزارة جديدة. فلا يصح احتساب كل وفر أو إيراد متوقع من رقمنة الخدمات على أنه عائد حصري للوزارة.
وتقتضي الدراسة الرصينة مقارنة أربعة بدائل على الأقل: إصلاح المؤسسات القائمة؛ وتعزيز التنسيق المركزي؛ وإنشاء هيئة متخصصة؛ واستحداث وزارة مستقلة. ثم اختبار كل بديل من حيث الكلفة والفاعلية وسرعة التنفيذ والمساءلة والمخاطر التنظيمية. ولا يمكن الحكم على مدى استيفاء الدراسة لهذه المعايير دون نشرها.
ثانياً: إصلاح المؤسسات أم إضافة طبقة إدارية؟
لا يمثل إنشاء وزارة إنجازاً قائماً بذاته؛ فالمعيار هو التحسن القابل للقياس في الخدمات العامة والكفاءة والقدرة التنفيذية. وتختلف الدول في تنظيم ملفات الرقمنة بين وزارات ووكالات وهيئات وأطر تنسيق مركزية. وعليه، فإن الاستشهاد بوجود وزارة مشابهة في دول أخرى لا يكفي لإثبات ملاءمة النموذج للعراق. ينبغي أن يثبت الخيار المقترح ما يضيفه إلى الهياكل القائمة، وما إذا كان يقلص الازدواجية أم يزيدها.
ثالثاً: الدفع الإلكتروني وحدود اختصاص البنك المركزي
يمثل التوسع في الدفع الإلكتروني هدفاً مشروعاً، لكنه ليس اختصاصاً تنظيمياً مستحدثاً. فالمادة (39) من قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004 تتناول تنظيم أنظمة الدفع وترخيصها والإشراف عليها، كما أن نظام خدمات الدفع الإلكتروني للأموال رقم (2) لسنة 2024 يضع إطاراً تنظيمياً لهذا القطاع. ومن ثم ينبغي التمييز بين رقابة البنك المركزي على أنظمة الدفع ومقدمي خدماتها، وبين رقمنة التحصيل داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية بالتنسيق مع الجهات المالية.
السؤال المطلوب من دراسة الجدوى ليس ما إذا كان الدفع الإلكتروني مهماً، بل ما الوظيفة الإضافية التي ستؤديها الوزارة، وكيف ستُرسم الحدود القانونية بينها وبين البنك المركزي ووزارة المالية، من دون مصادرة صلاحيات قائمة أو خلق ازدواجية تنظيمية.
رابعاً: مخاطر تداخل الصلاحيات
تُظهر التجربة العراقية أهمية التمييز بين الدور التنظيمي والدور التنفيذي، كما في النقاشات المتعلقة بوزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات. ولا يعني وجود جهتين في قطاع واحد وجود تعارض قانوني بالضرورة، لكنه يستدعي تحديد المسؤوليات بدقة. لذا ينبغي نشر مصفوفة اختصاصات تبين من يضع السياسة، ومن ينظم السوق، ومن ينفذ المشاريع، ومن يراقب الامتثال، ومن يتحمل المسؤولية عند الإخفاق.
خامساً: الاقتصاد الرقمي أوسع من الدفع الإلكتروني
الدفع الإلكتروني مكوّن من مكونات الاقتصاد الرقمي، وليس مرادفاً له. كذلك فإن تحويل المعاملات الورقية إلى شاشات لا يحقق بالضرورة تحولاً رقمياً إذا بقيت الإجراءات المعقدة والموافقات المتكررة على حالها. التحول الرقمي يتطلب إعادة هندسة الخدمات، والهوية الرقمية، والسجلات الأساسية الموثوقة، والتكامل البيني، والبنية التحتية العامة الرقمية (DPI)، وحوكمة البيانات والأمن السيبراني.
كما أن خفض الاعتماد على النقد لا يعالج تلقائياً مشكلات السيولة أو سعر الصرف؛ فتلك ملفات تتداخل فيها السياسة النقدية والثقة المصرفية والظروف الاقتصادية. وينبغي تجنب تقديم وسيلة دفع بوصفها علاجاً شاملاً لاختلالات الاقتصاد.
سادساً: التجارة الإلكترونية والإيرادات العامة
تنظيم التجارة الإلكترونية وتحسين الامتثال الضريبي قد يحققان منافع مالية، لكن تقدير هذه المنافع يتطلب التمييز بين قيمة المعاملات الإجمالية وإيرادات الشركات وأرباحها والوعاء الضريبي الفعلي. كما يجب بيان دور الجهات الضريبية والمالية والتنظيمية القائمة. وإذا أُعلنت تقديرات مالية محددة، فينبغي إرفاق مصادرها ومنهجية حسابها وسنة القياس، وعدم نسبتها تلقائياً إلى تأسيس الوزارة.
سابعاً: كيف تُقاس الوفورات الاقتصادية؟
ينبغي لأي تقدير للوفورات السنوية أن يحدد خط الأساس والجهات المشمولة وطبيعة الوفر: هل هو خفض نفقات فعلية أم زيادة إنتاجية أم إيراد إضافي؟ ويجب طرح تكاليف التأسيس والتشغيل والتكامل التقني والصيانة والتدريب وإدارة التغيير، ثم مقارنة النتيجة ببدائل أقل كلفة. ولعدم توفر وثيقة منشورة يمكن فحصها هنا، لم نعتمد أرقاماً مالية محددة بوصفها حقائق مثبتة.
ثامناً: السيادة الرقمية ليست عنواناً جغرافياً للخوادم
استضافة البيانات داخل العراق قد تكون جزءاً من سياسة سيادية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان السيطرة الفعلية عليها. فالسيادة الرقمية تتصل أيضاً بملكية البيانات، وإدارة مفاتيح التشفير، وصلاحيات الوصول، والتدقيق، واستقلالية التشغيل، وتنوع الموردين، واستمرارية الأعمال، والقدرة على التعافي من الحوادث. وقد تقع خوادم داخل الحدود الوطنية مع استمرار تبعية تشغيلية أو تقنية مؤثرة لجهة خارجية.
تاسعاً: الأمن القومي الرقمي وأمن المعلومات
لا يقتصر الأمن القومي الرقمي على حماية المواقع والأنظمة الحكومية، بل يشمل حماية الوظائف الحيوية للدولة، والاتصالات الاستراتيجية، وسلاسل التوريد التقنية، والاعتماد على الموردين، وإدارة الأزمات السيبرانية. كما أن أمن المعلومات يشمل الضوابط الإدارية والتقنية والمادية وإدارة المخاطر وسرية المعلومات وسلامتها وتوافرها. وأي وزارة جديدة تعمل في هذا المجال تحتاج إلى حدود اختصاص واضحة وآليات تنسيق ملزمة مع الجهات الأمنية والتنظيمية القائمة.
عاشراً: التشريع والحوكمة قبل التوسع غير المنضبط
تحتاج الدولة الرقمية إلى أطر لحماية البيانات الشخصية، وحوكمة البيانات الحكومية، ومكافحة الجرائم السيبرانية مع ضمان الحقوق، وحماية البنية التحتية الحرجة، والهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني وخدمات الثقة، ونقل البيانات عبر الحدود. ويمكن الاستفادة من التجربة الأوروبية في حماية البيانات (GDPR) دون افتراض إمكانية نقلها حرفياً إلى البيئة القانونية العراقية. ولا يعني ذلك وقف المشاريع إلى حين اكتمال التشريعات، بل تنفيذها ضمن خارطة طريق قانونية واضحة.
حادي عشر: مسؤولية الجهات الاستشارية واستقلالية التقييم
أشار الوزير إلى لجنة شاركت في دراسة المشروع وإلى ندوات نظمها مركز النهرين بشأن المفاضلة بين هيئة ووزارة. ومن المشروع طلب نشر خلاصات تلك المناقشات ومعايير المفاضلة، مع احترام الأفراد والمؤسسات وعدم افتراض تأييدهم لنتيجة محددة دون وثائق. فالاستشارة الجيدة تختبر الافتراضات وتكشف المخاطر وتقارن البدائل، ولا تكتفي بتسويغ خيار تقرر مسبقاً.
ثاني عشر: دعوة إلى مراجعة علمية علنية
استجابةً لدعوة السيد الوزير إلى الاطلاع على الدراسة، أعلن استعدادي لمناقشة جوانبها الواقعة ضمن اختصاصي في الأمن القومي الرقمي وأمن المعلومات والسيادة الرقمية والتحول الرقمي، بصورة فردية أمام أي فريق مختص ترشحه الجهة المعنية، مع إحالة التقييم الاقتصادي والقانوني التفصيلي إلى أصحاب اختصاصه. ولا يتعلق الأمر بمنافسة شخصية، بل باختبار علني ومنهجي للقرار.
أقترح نشر دراسة الجدوى كاملة، مع استثناء المعلومات المحمية قانوناً إن وجدت، وإتاحة وقت كافٍ لمراجعتها قبل جلسة موثقة تتناول: الحاجة المؤسسية؛ والمقارنة الاقتصادية بين البدائل؛ والاختصاصات القانونية؛ ومتطلبات الأمن والسيادة الرقمية؛ ومؤشرات النجاح خلال ثلاث وخمس سنوات.
الخاتمة: معيار النجاح هو الأثر لا المسمى
يحتاج العراق إلى تحول رقمي عميق واقتصاد أكثر إنتاجية ومؤسسات أكثر كفاءة. لكن أهمية الهدف لا تثبت تلقائياً صواب كل هيكل إداري مقترح لتحقيقه. إن الجدوى الاقتصادية للتحول الرقمي تختلف عن الجدوى الاقتصادية لاستحداث وزارة جديدة. وإذا كانت دراسة (133 صفحة) قد أثبتت أن الوزارة هي الخيار الأفضل، فإن نشرها ومراجعتها المستقلة سيعززان الثقة بالقرار؛ وإذا كشفت المقارنة عن بديل أكثر فاعلية وأقل كلفة، فمناقشته واجب مهني. الفيصل هو الدليل العلمي والنص القانوني والأثر القابل للقياس، لا عدد الصفحات أو المستشارين.
المصادر والمراجع
- 1. قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004، المادة (39)، البنك المركزي العراقي:https://cbi.iq/static/uploads/up/file-158270647972226.pdf
- 2. نظام خدمات الدفع الإلكتروني للأموال رقم (2) لسنة 2024، البنك المركزي العراقي:https://cbi.iq/news/view/2577
- 3. تصريح وزير الاقتصاد الرقمي والحوكمة محمد صاحب الدراجي في لقائه مع الإعلامي سامر جواد، وفق التفريغ النصي للمقطع التلفزيوني المقدم للمراجعة (العبارات الخاصة بدراسة الجدوى واللجنة ومركز النهرين).
- 4. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، الحكومة الرقمية وأطر الحوكمة:https://www.oecd.org/en/topics/digital-government.html
- 5. المفوضية الأوروبية، حماية البيانات الشخصية والإطار العام (GDPR):https://commission.europa.eu/law/law-topic/data-protection_en
ملاحظة منهجية: هذه قراءة نقدية للأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها دراسة الجدوى، وليست حكماً نهائياً على مضمون الدراسة التي لم تُتح للمراجعة الكاملة. ولم تُدرج أرقام الوفورات أو حجم التجارة الإلكترونية بوصفها وقائع مثبتة دون سند منشور قابل للتحقق.
