سوريا بعد الانسحاب الأمريكي: إعادة توطين ملف معتقلي داعش إلى العراق وتداعياته الأمنية الإقليمية

POLICY-2026-004 | سوريا بعد الانسحاب الأمريكي: إعادة توطين ملف معتقلي داعش إلى العراق وتداعياته الأمنية الإقليمية
iTach Denmark (ITSSC) Logo

ورقة تقدير موقف — Policy Brief

سوريا بعد الانسحاب الأمريكي: إعادة توطين ملف معتقلي داعش إلى العراق وتداعياته الأمنية الإقليمية
قراءة سياسية–أمنية لمرحلة ما بعد الضبط الدولي، وتداعيات نقل ملف معتقلي داعش إلى العراق
POLICY-2026-004 POLICY BRIEF ITSSC
مركز iTach Denmark للدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية (ITSSC)
القسم: أوراق سياسات مختصرة — Policy Briefs
رقم الورقة: POLICY-2026-004
تاريخ النشر: يناير 2026 (januar 2026)

إعداد: المهندس مصطفى كامل الشريف
مستشار في أمن المعلومات والسيادة الرقمية – الدنمارك / العراق
صيغة الاقتباس:
iTach Denmark (ITSSC), 2026. POLICY-2026-004. سوريا بعد الانسحاب الأمريكي: إعادة توطين ملف معتقلي داعش إلى العراق وتداعياته الأمنية الإقليمية.

الملخص التنفيذي (Executive Summary)

تشير التصريحات الأخيرة لوزارة الدفاع الأمريكية، بالتزامن مع نقل ملف معتقلي تنظيم داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق، إلى تحوّل استراتيجي في إدارة واشنطن للملف السوري. لا يمثل هذا التحول انسحابًا تقنيًا محدودًا، بل نهاية مرحلة من الضبط الدولي المباشر للصراع، وبداية طور أكثر خطورة يتسم بفراغ مُدار وإعادة توزيع عبء المخاطر الأمنية والاستخباراتية نحو العراق ودول الجوار.

تخلص الورقة إلى أن المنطقة لا تتجه نحو تسوية ولا نحو انفجار شامل وفوري، بل نحو صراع منخفض الوتيرة طويل الأمد تُدار فيه الأزمات بدل حلّها، مع تداعيات مباشرة على الأمن العراقي والإقليمي، خصوصًا إذا لم يُدار ملف المعتقلين بوصفه ملفًا استخباراتيًا–سياديًا مركبًا، لا مجرد قضية احتجاز ومحاكمات.

فرضية الورقة: الخطر الحقيقي ليس “الانسحاب” وحده، بل “أسلوب الانسحاب”: إسقاط الذريعة، نزع الشرعية عن البدائل، ثم نقل العبء إلى ساحة أخرى دون التزام بإدارة النتائج.

أولًا: الواقعة السياسية — دلالة التصريح الأمريكي

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، عقب نقل ملف سجناء تنظيم داعش إلى العراق، انتفاء مبررات بقاء قواتها في سوريا، مرفقة ذلك برفض العمل مع “القوة/الجيش” المحلي بحجة تغلغل فكر متطرف مرتبط بجماعات مصنفة إرهابية. هذا التصريح لا يُقرأ كتوصيف أمني عابر، بل كإعلان سياسي–عسكري عن نهاية الدور الأمريكي كضابط إيقاع مباشر في الساحة السورية خصوصًا مع تغيّر المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد (أواخر 2024) وصعود سلطة انتقالية تقودها شخصيات ارتبطت تاريخيًا بتشكيلات مصنفة إرهابية لدى واشنطن.

أهمية التصريح في نقطتين متلازمتين

1) إسقاط الذريعة: تحييد آخر مبرر قانوني/عملياتي للبقاء (ملف داعش والسجون).

2) نزع الشرعية عن البديل: إغلاق الباب أمام تسويق أي شريك محلي لإدارة مرحلة ما بعد الانسحاب.

نتيجة مباشرة: انسحاب بلا شريك، وبلا خطة استقرار مُعلنة، وبلا التزام بإدارة ما بعده . ومع “تبرئة مسبقة” من نتائج الفراغ.

ثانيًا: تفكيك القرار — لماذا الآن؟

يعكس توقيت القرار إدراكًا أمريكيًا بأن:

  • الساحة السورية لم تعد قابلة لإعادة هندسة سياسية أو أمنية منخفضة الكلفة.
  • استمرار الوجود العسكري لم يعد يحقق عائدًا استراتيجيًا متناسبًا مع كلفته السياسية والأمنية.
  • إدارة المخاطر أصبحت ممكنة عبر نقلها جغرافيًا بدل احتوائها ميدانيًا.
خلاصة القسم: الانسحاب لا يعني اختفاء التأثير، بل انتقالًا من إدارة مباشرة للصراع إلى إدارة غير مباشرة: .

ثالثًا: الأثر المباشر — فراغ مُدار لا استقرار

لا يشير الانسحاب إلى عودة مركزية الدولة السورية، ولا إلى تمكين بديل سياسي أو عسكري واضح. بل ينتج وضعًا تتسم ملامحه بـ:

  • غياب لاعب دولي ضابط لإيقاع الصراع.
  • غياب ضمانات أو اعترافات لأي فاعل محلي، بمن فيهم من جرى التغاضي عنهم سابقًا.
  • هشاشة تفاهمات الأمر الواقع وقابليتها للانهيار عند أول اختلال في ميزان القوة.

لماذا هذا طور أخطر؟

لأنه لا يُنتج “انهيارًا فوريًا” يمكن احتواؤه، بل تفككًا بطيئًا طويل الأمد: عودة خلايا نائمة، صراعات موارد ونفوذ، تعبئة هوياتية، وتدخلات إقليمية غير مباشرة عبر وكلاء.

مفهوم الفوضى المُدارة: الفوضى — لا استقرار حقيقي ولا انهيار نهائي، بل نزاع منخفض الوتيرة قابل للاستنزاف.

رابعًا: من سوريا إلى العراق — إعادة توزيع عبء الخطر

لا يمكن فصل الانسحاب الأمريكي عن نقل ملف معتقلي داعش إلى العراق. فالخطوة ليست إجراءً تقنيًا، بل تمثل إعادة توزيع للخطر من ساحة لم تعد واشنطن راغبة في إدارتها، إلى ساحة أخرى يُفترض بها تحمّل التداعيات.

تحول مركز الثقل: ينتقل العراق من موقع المتأثر غير المباشر إلى موقع مركز الثقل الأمني والاستخباراتي في ملف داعش، بما يتجاوز الاحتجاز إلى إدارة ملف متعدد الأبعاد (أمني/استخباراتي/قضائي/دبلوماسي).

خامسًا: المخاطر الاستخباراتية والأمنية لنقل سجناء داعش

1) السجون كبيئة لإعادة التنظيم

تاريخيًا، تُستخدم السجون لإعادة بناء الشبكات وإنتاج القيادات وتدوير الخبرات. أي خلل في الإدارة قد يحول مرافق الاحتجاز إلى نقاط إعادة تشكل للتنظيم بدل تفكيكه.

2) خطر الهجمات المعقدة (Complex Attacks)

نقل عناصر عالية القيمة يرفع احتمالات هجمات تحرير/كسر سجون، واستهداف مرافق الاحتجاز، فضلًا عن استهداف القضاة والمحققين والشهود، أو ضرب “سلسلة العدالة” لتفريغ الملف.

3) مخاطر الاختراق وتسريب المعلومات

أخطر عناصر الملف ليست السجناء وحدهم، بل قواعد البيانات، مسارات النقل، شبكات التحقيق، وقوائم الشهود والمخبرين. أي “تسريب حتى لو كان جزئيًا” قد يحرق مسارات تفكيك شبكي كاملة.

4) التحدي القضائي والدولي

وجود سجناء أجانب يفتح باب الضغوط الدبلوماسية ونزاعات الاختصاص ويؤثر مباشرة على مستوى التعاون الدولي في تبادل الأدلة والمعلومات، ويضع العراق أمام اختبار “السيادة القضائية دون العزلة”.

خلاصة المخاطر: لا يتمثل التحدي في “الاحتجاز” بحد ذاته، بل في إدارة ملف تهديد مركّب يشمل: السجون، والشبكات، والأدلة، والدبلوماسية. .

سادسًا: كيف ينبغي للعراق إدارة الملف؟

تُظهر التجارب المقارنة أن النجاح لا يُقاس بعدد الأحكام، بل بقدرة الدولة على تحويل الخطر إلى فرصة تفكيك استراتيجي. ويتطلب ذلك:

  1. قيادة ملف موحدة: إطار وطني واحد يضم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية وغرفة بيانات مشتركة وصلاحيات واضحة.
  2. تفكيك شبكي لا محاكمات شكلية: استخراج شبكات التمويل والتسهيل والحركة والدعاية، لا الاكتفاء بإثبات الانتماء التنظيمي.
  3. فصل صارم داخل منظومة الاحتجاز: عزل القيادات، فصل المنظّرين، وتصنيف النزلاء وفق مستويات الخطورة لمنع العدوى التنظيمية.
  4. بناء ملف أدلة قابل للتدويل: توثيق مهني للأدلة وسلاسل حيازة واضحة لضمان استمرار التعاون الدولي بدل عزله.
مبدأ حاكم: “إدارة تهديد” لا “إدارة سجن”. الهدف هو تفكيك الشبكات وتصفير القدرة على إعادة التنظيم، لا مجرد حبس العناصر.

سابعًا: الخلاصة الاستراتيجية

ما يجري لا يمثل نهاية للملف السوري، بل انتقاله إلى طور أخطر تُدار فيه المخاطر بدل معالجتها، ويُعاد توزيع أعباء الصراع جغرافيًا دون حلول سياسية مستدامة. الانسحاب الأمريكي مقرونًا بنقل ملف داعش إلى العراق لا يُنهي التهديد، بل يعيد تموضعه، مع مخاطر طويلة الأمد على الأمن العراقي والإقليمي.

خلاصة الورقة:المنطقة تدخل مرحلة لا يحكمها الحل ولا الحرب، بل عدم استقرار طويل الأمد تُؤجَّل فيه الانفجارات بدل احتوائها.

:ثامنًا: التوصيات (الأمنية والسيادية والسياسية)

أولًا: توصيات أمنية واستخباراتية (Security & Intelligence)

  1. إدارة الملف بوصفه تهديدًا استخباراتيًا طويل الأمد لا قضية احتجاز.
  2. إنشاء قيادة وطنية موحّدة لملف داعش مع غرفة بيانات وصلاحيات تنسيق مشتركة.
  3. تعزيز نموذج الفصل والتصنيف داخل منظومة الاحتجاز لمنع إعادة إنتاج التطرف داخل السجون.
  4. بناء عقيدة “مضاد كسر السجون” عبر دفاع طبقي وتمارين طوارئ وتدقيق أمني للعاملين.

ثانيًا: توصيات سيادية وقانونية (Sovereignty & Legal Governance)

  1. ترسيخ السيادة القانونية العراقية دون عزل دولي عبر إجراءات موثقة وسلاسل حيازة أدلة واضحة.
  2. إدارة ملف السجناء الأجانب بمنطق تقاسم العبء لا تحمّله منفردًا (مسارات: استرداد/محاكمة مشتركة/دعم).
  3. تحويل الملف من عبء أمني إلى ورقة سيادية تفاوضية تربط الاستضافة بدعم تقني وتبادل استخباري نوعي.

ثالثًا: توصيات سياسية واستراتيجية (Political & Strategic)

  1. عدم الفصل بين الانسحاب الأمريكي وتداعياته الإقليمية: إدماج ملف داعش ضمن تقدير موقف إقليمي أوسع.
  2. رفض منطق “تصدير الأزمات” دون ترتيبات إقليمية تمنع تكرار نقل المخاطر إلى العراق.
  3. الاستعداد لمرحلة ما بعد الضبط الدولي عبر تعزيز الاكتفاء الاستخباراتي النسبي والقدرة التحليلية الاستراتيجية.
الخلاصة التنفيذية للتوصيات: نجاح العراق لا يُقاس بعدد الأحكام، بل بمنع إعادة إنتاج التهديد، تفكيك الشبكات، والحفاظ على السيادة القضائية دون عزلة دولية.

تاسعًا: ملحق تنفيذي — مصفوفة السياسات (Policy Matrix)

هذا الملحق يحول التوصيات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ داخل الدولة العراقية عبر تحديد: الجهة القائدة، الأداة، الزمن، ومؤشر النجاح.

# التوصية الجهة القائدة الأداة المؤسسية/القانونية الإطار الزمني مؤشرات نجاح أولية
1 إنشاء قيادة وطنية موحّدة لملف داعش القائد العام للقوات المسلحة + مستشارية الأمن القومي أمر ديواني / قرار مجلس الوزراء 30–60 يومًا غرفة بيانات موحدة، سلسلة قرار واحدة، بروتوكول مشاركة معلومات
2 تفكيك شبكي بدل محاكمات شكلية المخابرات الوطني + مكافحة الإرهاب + ممثل ادعاء عام بروتوكول تحقيق وطني + فرق تحليل روابط (Link Analysis) فوري — تقييم كل 90 يومًا تفكيك خلايا، ضبط شبكات تمويل/تسهيل، ملفات نوعية تتجاوز “العضوية”
3 الفصل والتصنيف داخل السجون وزارة العدل + الداخلية تعليمات/لوائح إدارة سجون الإرهاب فوري عزل القيادات، منع التجنيد داخل السجن، تقليل الشغب/التهريب
4 عقيدة “مضاد كسر السجون” العمليات المشتركة + مكافحة الإرهاب + العدل خطة دفاع طبقية + قوة تدخل سريع + تمارين طوارئ 60–120 يومًا جاهزية استجابة، انعدام اختراقات داخلية، قدرة احتواء أحداث مركبة
5 سيادة قضائية دون عزل دولي مجلس القضاء الأعلى + الادعاء العام + العدل دليل إجراءات موحّد + سلاسل حيازة أدلة (Chain of Custody) 3–6 أشهر ملفات قابلة للتبادل دوليًا، استمرار التعاون بدل تراجعه
6 تقاسم العبء في ملف الأجانب الخارجية + القضاء + الأمن القومي مذكرات تفاهم/لجان قضائية مشتركة 6–12 شهرًا اتفاقات مكتوبة، دعم مالي/تقني، مسارات استرداد/مشاركة
7 ورقة سيادية تفاوضية مكتب رئيس الوزراء + الخارجية + الأمن القومي حزمة تفاوض تربط الاستضافة بدعم وتبادل معلومات مستمر اتفاقات دعم، منصات تبادل معلومات، تحسين أمن الحدود
8 تقدير موقف إقليمي ربع سنوي الأمن القومي + الأجهزة + الخارجية تقرير تقدير موقف دوري ربع سنوي قرارات استباقية، تنسيق حدود/استخبارات/قضاء
9 ترتيبات إقليمية لمنع تصدير الأزمات الخارجية + الأمن القومي أطر تنسيق ثنائية/ثلاثية 6–18 شهرًا قنوات اتصال رسمية، عمليات ضبط متزامنة
10 الاستعداد لمرحلة ما بعد الضبط الدولي مجلس الوزراء + المالية + البرلمان (عند الحاجة) برنامج وطني للقدرة التحليلية الاستراتيجية 12–24 شهرًا تقليص الاعتماد على الخارج، سرعة استجابة، قرار سيادي مدعوم ببيانات
ترتيب الأولويات: عاجل (0–3 أشهر): البنود 1–4 — متوسط (3–12 شهرًا): البنود 5–7 — استراتيجي (12–24 شهرًا): البنود 8–10.

المراجع المختارة

  • [1] U.S. Department of Defense — Official Statements / Briefings.
  • [2] Reuters — ISIS detainee transfer to Iraq (Jan 2026).
  • [3] International Crisis Group — Syria / Post-ISIS Security Vacuum.
  • [4] RAND Corporation — Detention, ISIS networks & prison risks.
  • [5] UN Security Council — Resolution 2178 (2014) & 2396 (2017).

مراجع عربية وإقليمية مساندة

  • [6] مستشارية الأمن القومي العراقي — تقديرات موقف وتصريحات عامة حول تداعيات الإرهاب الإقليمي.
  • [7] مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية — دراسات حول التنظيمات المتطرفة وعدم الاستقرار الإقليمي.
  • [8] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة — تحليلات استراتيجية حول إدارة الصراعات ونقل المخاطر الأمنية.