عندما يلتقي التحليل السيادي مع النص الدستوري: قراءة في ورقة د. حسين رحمن الفاضلي حول شرعية الإنترنت الفضائي.

عندما يلتقي التحليل السيادي مع النص الدستوري: قراءة في ورقة د. حسين رحمن الفاضلي حول شرعية الإنترنت الفضائي

عندما يلتقي التحليل السيادي مع النص الدستوري: قراءة في ورقة د. حسين رحمن الفاضلي حول شرعية الإنترنت الفضائي

✍️ المهندس مصطفى كامل الشريف: مستشار في أمن المعلومات والسيادة الرقمية – الدنمارك / العراق
✍️ الأستاذ المساعد الدكتور حسين رحمن الفاضلي: عضو لجنة الخبراء في مجلس النواب العراقي

🌐 www.ITACH.dk

أولًا: مقدمة – عندما تتحول “الخدمة” إلى قرار سيادي

في ملفات السيادة الرقمية، لا تكمن الخطورة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الفراغ القانوني والتنظيمي الذي يسمح بدخولها وتشغيلها كأمر واقع قبل أن تُستكمل شروط الدولة: التشريع، الضبط، والقدرة على تنفيذ قرارات القضاء والتحقيق في الجرائم الإلكترونية وربط الخدمة بمنظومة الأمن السيبراني الوطني.

من هذا المنطلق جاءت مذكرتي السيادية حول مخاطر إدخال الإنترنت الفضائي إلى العراق دون إطار وطني ضابط، ثم وصلني رد قانوني مهم من الأستاذ المساعد الدكتور حسين الفاضلي بعنوان: «شرعية الإنترنت الفضائي في العراق». هذا الرد لا يختلف مع الرؤية السيادية، بل يمنحها غطاءً دستوريًا وتشريعيًا صريحًا.

تنبيه منهجي:
سأناقش الورقة القانونية وأبرز نقاط الالتقاء مع الرؤية السيادية، ثم سأدرج النص الكامل لورقة الدكتور في نهاية المقال ضمن ملحق مستقل، حفظًا للأمانة العلمية وإتاحة للرجوع إلى النص الأصلي كما ورد.

ثانيًا: ماذا أضافت ورقة د. الفاضلي؟ من التحذير السيادي إلى الحكم القانوني

إن نقطة القوة الجوهرية في ورقة د. حسين رحمن الفاضلي أنها لا تكتفي بوصف المخاطر، بل تُقرر “الشرعية” من عدمها وفق بنية الدستور والمنظومة التنظيمية القائمة. فبدل السؤال الشائع: هل نحتاج الإنترنت الفضائي؟، تضع الورقة سؤالًا حاسمًا: هل هو مشروع قانونًا في العراق اليوم؟

الخلاصة التي تُغيّر مسار النقاش:
“لا يوجد في العراق تشريع نافذ يجيز تشغيل الإنترنت الفضائي بشكل حر… والقاعدة العامة هي الترخيص المسبق…”

هذه النقلة تُحوّل الملف من “نقاش تقني/إعلامي” إلى “سؤال دولة”: ترخيص، سيادة، رقابة، وقدرة تنفيذ القانون.

ثالثًا: الإنترنت الفضائي ليس خدمة… بل بنية اتصالات سيادية

تشرح الورقة القانونية أن الإنترنت الفضائي يختلف بنيويًا عن الإنترنت الأرضي لأنه: لا يمر عبر المقاسم وبوابات النفاذ الوطنية، ويعتمد بوابات تشغيل خارج الإقليم، ويستخدم تشفيرًا مغلقًا، ويصعب إخضاعه للاختصاص القضائي والتنظيمي الوطني.

الاستنتاج السيادي:
التعامل مع الإنترنت الفضائي كمنتج تقني بحت يغفل طبيعته القانونية بوصفه بنية اتصالات سيادية تخضع لمبادئ التنظيم العام، لا لقواعد السوق الحر فقط.

رابعًا: الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني 2025–2030 كقيد مانع

تستند الورقة إلى الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني العراقي 2025–2030 بوصفها وثيقة حاكمة وملزمة للسلطات التنفيذية، وتستشهد بفقرتين محوريتين:

  • الفقرة (18): تنظيم الأمن السيبراني وتشكيل فرق استجابة وطنية للحوادث وربط المؤسسات بها.
  • الفقرة (19): السيادة على البيانات والتشفير واعتماد تقنيات تشفير وطنية لضمان أمن المعلومات.

وبما أن الإنترنت الفضائي بصيغته الحالية يعتمد تشفيرًا خارجيًا مغلقًا وبوابات خارج الإقليم، فإنه لا يمكن دمجه ضمن منظومة الاستجابة الوطنية دون إطار قانوني خاص.

خلاصة مانعة:
الاستراتيجية تمنع عمليًا منح أي ترخيص غير منظم قبل صدور تشريع ينظم السيادة الرقمية والتشفير والرقابة.

خامسًا: حرية التعبير وحدودها – التنظيم ليس قمعًا بل حماية للنظام العام

تُذكّر الورقة بأن الدستور العراقي (2005) يكفل حرية التعبير وتداول المعلومات (المادة 38)، لكنه يجيز التقييد بقانون ولأسباب مشروعة، كما تشترط المادة (46) أن يكون أي تقييد للحقوق والحريات بموجب قانون وبما لا يمس جوهر الحق.

وعلى مستوى الالتزامات الدولية، تشير الورقة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم (34) للجنة حقوق الإنسان (الفقرات 28–30) الذي يقرر أن التقييد جائز لحماية حقوق الآخرين أو الأمن القومي أو النظام العام، بشرط الوضوح والضرورة والتناسب.

الخلاصة الحقوقية:
تنظيم الإنترنت الفضائي بقانون لا يُعد انتهاكًا لحرية التعبير، بل ممارسة مشروعة لحق الدولة في تنظيم بنية الاتصالات طالما احترمت الضوابط الدولية.

سادسًا: الموقف القانوني كما حدده الدكتور: غير مشروع دون ترخيص وطني خاص

بناءً على الإطار الدستوري والتشريعي والاستراتيجي، تحدد الورقة الموقف القانوني على النحو الآتي:

  • لا يوجد في العراق تشريع نافذ يجيز تشغيل الإنترنت الفضائي بشكل حر.
  • القاعدة العامة في الاتصالات هي الترخيص المسبق.
  • الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني تضع قيودًا سيادية مانعة لأي ترخيص غير منظم.
  • أي تشغيل أو استخدام خارج إطار ترخيص وطني خاص يُعد غير مشروع قانونًا وقابلًا للمساءلة.
المغزى:
ليست القضية “هل نُدخل الخدمة؟” بل “هل نُدخلها بشكل يُنتج شبكة موازية فوق القانون؟”

سابعًا: الإطار التشريعي المقترح – تحويل المخاطر إلى حوكمة

تقترح الورقة مجموعة خطوات لتحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية السيادة الوطنية، أبرزها:

  • تشريع قانون خاص بالإنترنت الفضائي والسيادة الرقمية والجرائم الإلكترونية.
  • إخضاع الخدمة لنظام تراخيص واضح.
  • فرض بوابات نفاذ وطنية أو آليات تحكم معتمدة.
  • ربط الخدمة بالمركز الوطني للأمن السيبراني التابع لمكتب رئيس مجلس الوزراء.
  • تنظيم التشفير وحماية البيانات.
الخلاصة الاستراتيجية:
تحويل الإنترنت الفضائي إلى فرصة تنموية آمنة لا يتم بالتشغيل أولًا، بل بالتشريع والحوكمة أولًا.

ثامنًا: ملحق – النص الكامل لورقة د. حسين رحمن الفاضلي

شرعية الإنترنت الفضائي في العراق
بقلم: أ. م. د. حسين رحمن الفاضلي

أدى التطور المتسارع في تقنيات الاتصالات الفضائية منخفضة المدار (LEO) وفي مقدمتها خدمات الإنترنت الفضائي إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية تتعلق بحدود سيادة الدولة على فضائها الرقمي ومدى شرعية إدخال خدمات اتصال عابرة للحدود دون المرور بالبنى الوطنية التقليدية اذ تكتسب هذه المسألة بعدًا قانونيًا خاصًا في ظل غياب تشريع وطني صريح ينظم الإنترنت الفضائي مقابل وجود منظومة قانونية وأمنية تؤكد مبدأ السيطرة الوطنية على الاتصالات والبيانات وتطمح هذه الورقة إلى بحث شرعية الإنترنت الفضائي في العراق، من خلال تحليل الإطار الدستوري والتشريعي، والالتزامات الدولية، والاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني، وصولًا إلى تحديد الموقف القانوني السليم وبيان الحاجة إلى تدخل تشريعي منظم

أولًا: الإطار الدستوري والقانوني للاتصالات في العراق

لا يتضمن الدستور العراقي لسنة 2005 نصًا مباشرًا ينظم خدمات الإنترنت أو الاتصالات الفضائية إلا أنه يضع قواعد عامة حاكمة، أهمها:

  • المادة (38) التي تكفل حرية التعبير وتداول المعلومات، مع جواز تقييدها بقانون ولأسباب مشروعة.
  • المادة (46) التي تشترط أن يكون أي تقييد للحقوق والحريات بموجب قانون، وبما لا يمس جوهر الحق.

أما على المستوى التشريعي فإن تنظيم قطاع الاتصالات ما زال يستند عمليًا إلى:

  • أمر سلطة الائتلاف رقم (65) لسنة 2004 الخاص بهيئة الإعلام والاتصالات، الذي يمنح الدولة سلطة تنظيم خدمات الاتصالات ومنح التراخيص ومنع أي نشاط اتصالي غير مرخص؛ كما أن مسودة مشروع قانون الاتصالات والمعلوماتية (غير النافذ حتى الآن) يكرّس مبدأ عدم جواز تقديم أي خدمة اتصالات أو استخدام أي منظومة اتصال أو ترددات دون ترخيص مسبق، ويُدرج أنظمة الاتصال الفضائي (VSAT) ضمن الخدمات الخاضعة للتنظيم.

ثانيًا: الإنترنت الفضائي وطبيعة الإشكال القانوني

يتميّز الإنترنت الفضائي بخصائص تجعله مختلفًا عن الإنترنت الأرضي أبرزها: (عدم المرور عبر المقاسم وبوابات النفاذ الوطنية، الاعتماد على أقمار صناعية وبوابات تشغيل خارج الإقليم الوطني، استخدام أنظمة تشفير مغلقة لا تخضع لسيطرة الدولة، صعوبة إخضاعه للاختصاص القضائي والتنظيمي الوطني) هذه الخصائص تجعل الإنترنت الفضائي شبكة اتصالات موازية وعابرة للحدود وهو ما يثير تحديات تتعلق بـ:

  • سيادة الدولة على حركة البيانات
  • قدرة السلطات على تنفيذ أوامر القضاء
  • التحقيق في الجرائم الإلكترونية
  • حماية الأمن السيبراني الوطني

فالتعامل مع الإنترنت الفضائي كمنتج تقني بحت يغفل طبيعته القانونية بوصفه بنية اتصالات سيادية تخضع لمبادئ التنظيم العام (لا لقواعد السوق الحر فقط).

ثالثًا: الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني 2025–2030 (العراق أولاً)

تشكل الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني العراقي 2025–2030 وثيقة حاكمة في مجال السياسات الأمنية والسيبرانية الصادرة عن مستشارية الأمن القومي وتكتسب أهميتها من كونها مصادق عليها وملزمة للسلطات التنفيذية اذ بينت في:-

1. الفقرة (18): تنظيم الأمن السيبراني

تنص هذه الفقرة على:

  • تنظيم الجهود الوطنية لتعزيز الأمن السيبراني
  • تنفيذ سياسة سيبرانية موحدة
  • تشكيل فرق استجابة وطنية للحوادث السيبرانية وربط جميع المؤسسات بها

وهذا يعني قانونًا أن أي خدمة اتصال يجب أن تكون قابلة للدمج ضمن منظومة الاستجابة الوطنية والإنترنت الفضائي وبصيغته الحالية لا يمكن إخضاعه لهذا النظام دون إطار قانوني خاص.

2. الفقرة (19): السيادة على البيانات والتشفير

اذ تنص الفقرة (19) على:

  • دعم المركز الوطني للمعلوماتية
  • حماية البنية الرقمية
  • اعتماد تقنيات تشفير وطنية لضمان أمن المعلومات

اذ تعتمد خدمات الإنترنت الفضائي على تشفير خارجي مغلق، لا يخضع للرقابة أو التحكم الوطني، مما يجعل هذه الفقرة مانعًا سياديًا وقانونيًا لأي ترخيص غير منظم وبالمحصله ان الاستراتيجية تمنع عمليًا منح أي ترخيص لخدمات الإنترنت الفضائي قبل صدور تشريع ينظم السيادة الرقمية والتشفير والرقابة، ومن جانب اخر صدور تعليمات تشكيلات مكتب رئيس مجلس الوزراء ومهامها رقم (1) لسنة 2025 الخاصة بالتحول الرقمي ومركزيته المنصوص عليها في المادة 20 وكذلك عدم قابلية الانترنت الفضائي للامتثال لمنظومة الامن السيبراني الوطني في المادة (22، 23) من التعليمات المنشورة في جريدة الوقائع بالعدد 4847 في 10-11-2025

رابعًا: حرية التعبير وحدودها وفق القانون الدولي

يُعد العراق طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقد أوضح التعليق العام رقم (34) للجنة حقوق الإنسان، في الفقرات (28–30) بينت أن:

  • تقييد حرية التعبير جائز فقط لحماية حقوق الآخرين أو الأمن القومي أو النظام العام
  • يجب أن يكون التقييد منصوصًا عليه في قانون واضح
  • يجب أن يكون ضروريًا ومتناسبًا، وألا يُستخدم ذريعة لقمع النقاش العام

وعليه فإن تنظيم الإنترنت الفضائي بقانون لا يُعد انتهاكًا لحرية التعبير بل هو ممارسة مشروعة لحق الدولة في تنظيم بنية الاتصالات طالما احترمت الضوابط الدولية، وفي بعض الحالات يصبح ضرورة اذا كان يمس النظام العام.

خامسًا: الموقف القانوني من شرعية الإنترنت الفضائي في العراق

بناءً على ما تقدم يمكن تحديد الموقف القانوني على النحو الآتي:

  1. لا يوجد في العراق تشريع نافذ يجيز تشغيل الإنترنت الفضائي بشكل حر
  2. القاعدة العامة في الاتصالات هي الترخيص المسبق
  3. الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني تضع قيودًا سيادية مانعة لأي ترخيص غير منظم
  4. أي تشغيل أو استخدام للإنترنت الفضائي خارج إطار ترخيص وطني خاص يُعد (غير مشروع قانونًا، ومخالفًا لمبدأ السيادة الرقمية، وقابلًا للمساءلة التنظيمية وربما الجزائية بحسب الاستخدام)

سادسًا: الإطار التشريعي المقترح لتنظيم الإنترنت الفضائي

لتحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية السيادة الوطنية تقترح هذه الورقة مجموعه من الخطوات تتمثل بـ:

  1. تشريع قانون خاص بالإنترنت الفضائي والسيادة الرقمية والجرائم الالكترونية
  2. إخضاع الخدمة لنظام تراخيص واضح
  3. فرض بوابات نفاذ وطنية أو آليات تحكم معتمدة
  4. ربط الخدمة بالمركز الوطني للأمن السيبراني التابع لمكتب رئيس مجلس الوزراء
  5. تنظيم التشفير وحماية البيانات
خاتمة:
إن شرعية الإنترنت الفضائي في العراق لا يمكن أن تُستمد من الواقع التقني أو الحاجة التنموية وحدها بشكل مستقل بل من الإطار القانوني والسيادي الذي يحكم الاتصالات والبيانات وفي ظل غياب تشريع خاص ووجود استراتيجية وطنية تُقيّد أي اتصال غير خاضع للسيطرة الوطنية فإن الإنترنت الفضائي يُعد غير مشروع قانونًا في الوقت الراهن ولا سبيل لتحويله إلى فرصة تنموية آمنة إلا عبر تشريع وطني صريح يضعه ضمن منظومة السيادة الرقمية لجمهورية العراق

المصادر

  1. دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
  2. أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (65) لسنة 2004 – هيئة الإعلام والاتصالات.
  3. مشروع قانون الاتصالات والمعلوماتية (مسودة).
  4. الاستراتيجية الوطنية للأمن الوطني العراقي 2025–2030، الفقرتان (18) و(19).
  5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  6. التعليق العام رقم (34) للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
  7. وثائق الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) بشأن السيادة على الاتصالات الفضائية.
  8. تعليمات تشكيلات مكتب رئيس مجلس الوزراء ومهامها رقم (1) لسنة 2025.
🔗 رابط مذكرتي/مقالي السيادي المرتبط بالملف: https://itach.dk/index.php/2025/12/11/starlink/

تاسعًا: المصادر والمراجع المعتمدة

  • ورقة: شرعية الإنترنت الفضائي في العراق – أ. م. د. حسين رحمن الفاضلي (النص الكامل أعلاه).
  • مذكرة/مقال سيادي: مخاطر إدخال الإنترنت الفضائي إلى العراق دون إطار وطني ضابط: https://itach.dk/index.php/2025/12/11/starlink/
ملاحظة تحريرية:
تم الإبقاء على نص ورقة الدكتور كما ورد، مع تنسيق بصري فقط (عناوين/قوائم) دون تغيير المحتوى.

يمنع إعادة النشر بدون ذكر اسم الكاتب

لمن يرغب بمشاركة هذا المقال: «عندما يلتقي التحليل السيادي مع النص الدستوري» – مع أطيب التحيات – م. مصطفى كامل الشريف

Facebook X (Twitter) WhatsApp
“`