الحلقة الرابعة من سلسلة عمليات الطيف الكهرومغناطيسي
م/ مصطفى كامل الشريف/
مستشار في أمن المعلومات و الشبكات
مقدمة
في الحلقة الرابعة من سلسلة مقالاتي حول عمليات الطيف الكهرومغناطيسي، نخوض اليوم في واحد من أهم وأخطر المواضيع ألا وهو التجسس على أنظمة الملاحة.
منذ أن أُطلقت أنظمة الأقمار الاصطناعية للملاحة (GNSS – Global Navigation Satellite System) مثل GPS الأمريكي وGLONASS الروسي وGalileo الأوروبي وBeiDou الصيني، تحولت هذه التقنيات إلى شرايين خفية تدير العالم الحديث. فالملاحة الجوية والبحرية، وشبكات الاتصالات، والتوقيت الدقيق للمعاملات المالية، بل وحتى تشغيل محطات الكهرباء، كلها تعتمد على تلك الإشارات الضعيفة القادمة من الفضاء.
لكن وراء هذه الدقة والموثوقية، تكمن هشاشة بنيوية خطيرة: فالإشارات التي لا تتجاوز قوتها ضوء القمر يمكن أن تصبح هدفًا سهلًا للتشويش أو الخداع. وهنا يبدأ البُعد الأمني: من تعطيل الخدمة عبر التشويش (Jamming)، إلى تضليلها عبر الخداع (Spoofing / Meaconing)، حيث تُبنى عوالم وهمية تجعل الطائرة أو السفينة تسير وفق إحداثيات مزيفة دون أن تدرك ذلك.
في هذه المقالة، سنستعرض تطور استهداف أنظمة الملاحة من التشويش إلى الخداع، مع التوقف عند أمثلة حية من الحرب الروسية–الأوكرانية، قبل أن نحلل التداعيات العالمية، والجهود المبذولة لتطوير أنظمة دفاعية تعيد التوازن إلى هذا الميدان الحساس.
ولعلّ الحرب الروسية–الأوكرانية قدّمت أوضح النماذج على خطورة هذا الملف. فمنذ عام 2014، مع ضمّ القرم وبداية النزاع في دونباس، بدأت روسيا في اختبار قدراتها في الحرب الإلكترونية ضد أوكرانيا. ففي البحر الأسود، أبلغت سفن تجارية عن تشويش متكرر على إشارات GPS أدى إلى اضطراب مساراتها، وفي ديسمبر 2015 شهدت أوكرانيا أول هجوم سيبراني–كهرومغناطيسي واسع على شبكة الكهرباء باستخدام برمجية BlackEnergy، ما تسبب في انقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف من المدنيين، وكان مدعومًا بعمليات تشويش على الاتصالات والملاحة.
ومع اندلاع الحرب الشاملة في 2022، تصاعدت هذه العمليات بشكل غير مسبوق: تعطيل المسيّرات، تضليل الصواريخ الموجهة، وظهور “فقاعات GPS” جعلت السفن والطائرات المدنية ترى نفسها في مواقع غير حقيقية. هذه الممارسات لم تبقَ محصورة في الجبهات العسكرية، بل انعكست على الطيران المدني في البحر الأسود، والملاحة البحرية في شرق المتوسط، وحتى في أجواء موسكو حيث رُصدت مواقع وهمية للأقمار الاصطناعية لحماية الكرملين من المسيّرات.
من هنا، يصبح التجسس والتلاعب بأنظمة الملاحة ليس مجرد مسألة تقنية، بل جبهة متقدمة من جبهات الصراع الكهرومغناطيسي، تؤثر في الأمن القومي، الاقتصاد، وحياة المدنيين معًا.
أنظمة الملاحة العالمية (GNSS – Global Navigation Satellite System) الرئيسة
أولاً: النظام الأمريكي GPS (Global Positioning System)
- النشأة: بدأ كمشروع عسكري أمريكي في السبعينيات، ودخل الخدمة الكاملة عام 1995.
- عدد الأقمار: أكثر من 30 قمرًا صناعيًا في مدار متوسط (MEO).
الميزات:
- يغطي العالم بالكامل بدقة تصل إلى عدة أمتار.
- يوفر إشارات مدنية مفتوحة وأخرى مشفرة للاستخدام العسكري (M-code).
- يعتمد عليه الطيران المدني، النقل البحري، الهواتف الذكية، والبنى التحتية المالية والطاقوية.
- الاستخدامات: عسكرية (توجيه الصواريخ والطائرات) ومدنية (ملاحة، اتصالات، توقيت شبكات).
ثانياً: النظام الروسي GLONASS (Global Navigation Satellite System)
- النشأة: أطلقه الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات لمنافسة GPS. تراجع بعد انهيار الاتحاد، ثم أعادت روسيا إحياءه بداية الألفية.
- عدد الأقمار: نحو 24 قمرًا في مدار متوسط.
الميزات:
- تغطية عالمية كاملة.
- إشارات مدنية وعسكرية مشفرة.
- ميزة في المناطق الشمالية (القطب الشمالي) حيث يكون أكثر دقة من GPS.
- الاستخدامات: مدمج في بعض الهواتف الذكية والسيارات، إلى جانب استخداماته العسكرية الروسية.
ثالثاً: النظام الأوروبي Galileo
- النشأة: مشروع الاتحاد الأوروبي بدأ مطلع الألفية كبديل مستقل عن GPS وGLONASS، بهدف ضمان سيادة أوروبية في مجال الملاحة.
- عدد الأقمار: 30 قمرًا (24 عملي + 6 احتياط) في مدار متوسط.
الميزات:
- دقة عالية تصل إلى أقل من متر، ويمكن أن تنخفض إلى سنتيمترات بخدمات مدفوعة.
- إشارات مشفرة خاصة بالحكومات والجهات العسكرية (PRS).
- مصمم لتكامل أفضل مع الهواتف الذكية والأجهزة الحديثة.
- الاستخدامات: مدنية وتجارية بالدرجة الأولى، مع خدمات حكومية حساسة محمية.
رابعاً: النظام الصيني BeiDou -بيدو
- النشأة: بدأ في التسعينيات لتقليل اعتماد الصين على GPS.
- التطور:
- BeiDou-1 (2000): نظام إقليمي محدود.
- BeiDou-2 (2007–2012): غطى آسيا–المحيط الهادئ.
- BeiDou-3 (2020): غطى العالم بالكامل.
- عدد الأقمار: أكثر من 35 قمرًا (مدارات متنوعة: متوسطة، ثابتة، إهليلجية).
الميزات:
- دقة عالية (أمتار، وسنتيمترات مع أنظمة مساعدة).
- إشارات مشفرة عسكرية متقدمة.
- ميزة فريدة: نقل رسائل نصية قصيرة (SMS) تصل إلى 1200 بايت، لا يملكها GPS أو Galileo.
- الاستخدامات: مدنية وعسكرية، مع تركيز على دعم الجيش الصيني في مسارح العمليات.
الفرق بين المدار الإهليلجي والمدارات الأخرى
| الخاصية | المدار المتوسط (MEO) | المدار الثابت (GEO) | المدار الإهليلجي (Elliptical) |
| الشكل | دائري تقريبًا | دائري فوق خط الاستواء | بيضاوي (إهليلجي) |
| الارتفاع | ~20,000 كم | 35,786 كم | يتراوح: حضيض منخفض + أوج عالٍ (مثلاً 1,000–40,000 كم) |
| التغطية | شاملة تقريبًا | ثابتة على نفس المنطقة | موجهة لتغطية مناطق عالية العرض (مثل روسيا/القطبين) |
| الاستخدام | أنظمة الملاحة (GPS, Galileo) | تعزيز إشارات GNSS، اتصالات | GNSS الروسية (GLONASS أحيانًا)، أقمار Molniya للاتصالات والتغطية القطبية |
ملاحظة : هناك أنظمة أخرى وهي الأنظمة الإقليمية (مثل QZSS الياباني و IRNSS/NavIC الهندي). لن اتطرق لهما في هذا المقال.

أولًا: من التشويش إلى الخداع
- التشويش (Jamming): يتم عبر بث إشارات قوية على نفس التردد لإغراق المستقبلات ومنعها من استقبال الإشارة الصحيحة. النتيجة: فقدان الخدمة أو تعطيلها.
- الخداع (Spoofing / Meaconing): أكثر خطورة، إذ يُعاد بث إشارات GNSS مزيفة أو معدّلة بحيث يعتقد المستقبل أنها صحيحة، فيظهر موقع وهمي أو توقيت خاطئ.
- إعادة بث الإشارة الملاحية – Meaconing : كلمة Meaconing تأتي من Masking + Beaconing (إخفاء + بث إشارة). مصطلح نشأ في الحرب الباردة، ويعني إعادة بث إشارات الملاحة الأصلية بعد تأخيرها أو تعديلها لإرباك الخصم. وهي تقنية التقاط إشارات الملاحة (GNSS/GPS) الحقيقية، ثم إعادة بثها بعد تأخير زمني بسيط أو بتعديل طفيف. في النتيجة المستقبل (جهاز الطائرة/السفينة/السيارة) يظن أنه يستقبل الإشارة الأصلية، لكنه في الحقيقة يتعامل مع نسخة مزيفة.
ثانيًا: الأبعاد التقنية للهجمات
- إشارات GNSS تصل إلى الأرض بطاقة ضعيفة (أقل من -160 dBW)، أي أضعف من ضوء القمر، ما يجعلها سهلة الإغراق أو التلاعب.
- أجهزة التشويش المحمولة يمكن أن تُعطل الملاحة لمسافة عدة كيلومترات، بينما الأنظمة العسكرية تغطي مئات الكيلومترات.
- تقنيات الخداع تستعمل:
- بث إشارات مكررة مع فروقات زمنية دقيقة.
- محاكاة إشارات حقيقية لكن بمحتوى مزور.
- كشف الهجوم ممكن عبر:
- مقارنات متعددة المصادر (GPS + GLONASS + Galileo).
- استخدام إشارات مشفرة (M-code، Galileo PRS).
- مستشعرات مساعدة (Inertial Navigation، خرائط رقمية).
ثالثًا: الأمثلة العملياتية (Case Studies)
روسيا: سلاح التشويش والخداع
- أوكرانيا: منذ 2014 استخدمت روسيا أنظمة مثل Krasukha و Leer-3 لتعطيل المسيّرات الأوكرانية عبر التشويش والخداع. تقارير أشارت إلى إسقاط مسيّرات بسبب تضليل إشاراتها.
- سوريا: طيارو طائرات مدنية وعسكرية رصدوا فقدان GPS قرب قاعدة حميميم بسبب التشويش الروسي.
- الكرملين: في موسكو رُصدت “فقاعات GPS” تظهر الأجهزة وكأنها في مطارات بعيدة بدلًا من وسط العاصمة، كإجراء وقائي ضد الطائرات المسيّرة.
- البحر الأسود: سفن تجارية أبلغت أن أنظمتها أظهرت مواقعها داخل المطارات الروسية بدلًا من البحر.
أوكرانيا: التكيّف والرد
- اعتماد أنظمة ملاحة بديلة عند فقدان GPS.
- دمج تقنيات مضادة للتشويش في المسيّرات.
- استخدام الذكاء الاصطناعي والملاحة البصرية لتعويض ضعف GNSS.
دول أخرى
- النرويج وفنلندا (2018–2019): أثناء مناورات الناتو “Trident Juncture”، رُصدت اضطرابات GPS مصدرها روسيا في كولا Peninsula.
- شرق المتوسط: FAA الأمريكية حذرت من اضطراب GNSS قرب قبرص وسوريا.
رابعًا: الأثر على الأمن القومي والبنى التحتية
- العسكري: تعطيل المسيّرات، تضليل الصواريخ الموجهة، إرباك حركة الطائرات والسفن.
- المدني: تهديد الملاحة الجوية والبحرية، وتعريض حياة المدنيين للخطر.
- البنى التحتية: شبكات الطاقة والاتصالات تعتمد على توقيت GPS، وأي تضليل فيها قد يشل الخدمات الحيوية.
خامسًا: التدابير الدفاعية
- الناتو: تعزيز أنظمة الملاحة البديلة مثل eLoran.
- أوروبا: Galileo يقدم خدمة محمية (PRS) مخصصة للجهات الحكومية والعسكرية.
- الولايات المتحدة: تطوير إشارات M-code العسكرية، وتشجيع استخدام أنظمة متعددة (Multi-constellation).
- التقنيات الحديثة: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ودمج المستشعرات للكشف المبكر عن التشويش والخداع.
خاتمة
لم يعد استهداف أنظمة الملاحة مجرد عمل تقني، بل تحول إلى حرب ملاحة (Navigation Warfare – NAVWAR) متكاملة. ما يجري اليوم في روسيا وأوكرانيا يقدم مثالًا صارخًا على أن من يسيطر على الفضاء الكهرومغناطيسي، يمكنه أن يسيطر على الفضاء الجغرافي والاقتصادي والعسكري معًا.
في الختام أو أن تكون التوصية الرئيسية هنا وضع حلول تكمن في الدمج بين الأمن السيبراني وأمن الطيف الكهرومغناطيسي، وتطوير أنظمة بديلة تحمي المجتمعات من أن تجد نفسها فجأة بلا بوصلة في عالم معتمد بالكامل على الأقمار الصناعية.
المصادر
دائرة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) – التعميم الاستشاري 90-114A: “عمليات نظام GPS”
(U.S. Federal Aviation Administration (FAA) Advisory Circular AC 90-114A – “Global Positioning System (GPS) Operations”)
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS – واشنطن العاصمة) – تقرير CSIS في يوليو 2023 بعنوان Cyber Operations during the Russo-Ukrainian War، تناول بعض قضايا GPS ضمن الإطار الأوسع .
منظمة تحليل الأمن البحري – تقارير عن تشويش GPS في البحر الأسود (2014)
(Maritime Executive & GPS World reports on GPS jamming in the Black Sea, 2014)
GPS World: GPS Jamming in Black Sea Region
