✍️ المهندس مصطفى كامل الشريف /
مستشار في أمن المعلومات والشبكات
المقدمة
في عالم الاستخبارات هناك ميدان خفي ظلّ لعقود طويلة بعيدًا عن أعين الرأي العام، رغم أنه يتحكم بمصير الحروب والصراعات أكثر من أي سلاح آخر. إنه عالم التجسس الكهرومغناطيسي (EMSO / SIGINT):
حيث تتحول الموجات، والترددات، والإشارات اللاسلكية إلى مادة خام للاستخبارات، يتم من خلالها التنصت، التشويش، الخداع، وحتى السيطرة على الخصوم عن بُعد.من اعتراض الرادارات السوفيتية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى مراقبة الأقمار الصناعية العابرة للقارات، وصولًا إلى التشويش على أنظمة GPS والمسيّرات في حروب اليوم… كان هذا الميدان دائمًا اللاعب الصامت الذي يغيّر قواعد اللعبة دون أن يظهر في العلن.
في هذه السلسلة المكونة من ثماني حلقات، سنكشف معًا:
- أشهر العمليات التاريخية والمعاصرة في التجسس الكهرومغناطيسي.
- كيف وُلدت أكبر شبكات التنصت في العالم.
- ولماذا أصبح التحكم في الطيف الكهرومغناطيسي اليوم أحد مفاتيح السيادة الوطنية.
نبدأ رحلتنا من الحلقة الأولى:
تحالف العيون الخمس – Five Eyes
أكبر شبكة تجسس استخباري في التاريخ، والعمود الفقري لكل العمليات التي تلتها.
تحالف العيون الخمس – أكبر شبكة تجسس استخباري في التاريخ
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، ظلّ العالم يعيش في ظل تحالف استخباري فريد من نوعه، لم يسبق أن شهد التاريخ مثيلًا له من حيث العمق، والسرية، واتساع النفوذ. هذا التحالف هو ما يُعرف بـ تحالف العيون الخمس (Five Eyes)، الذي جمع تحت رايته الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
لم يكن هذا التحالف مجرد اتفاقية عابرة لتبادل المعلومات، بل تحوّل عبر العقود إلى أضخم منظومة مراقبة وتنصّت عالمي، تتحكم بمفاصل الطيف الكهرومغناطيسي وتعيد رسم حدود التجسس والاستخبارات في القرن العشرين والواحد والعشرين. فمن خلاله، لم تعد الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي ساحة تنافس عسكرية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة على الأثير والإشارات، حيث صارت الموجات والاتصالات مادة خام للاستخبارات.
إن أهمية هذا التحالف لا تكمن فقط في حجمه أو في عدد أعضائه، بل في دوره المركزي في صياغة ملامح التجسس الكهرومغناطيسي الحديث: من اعتراض المكالمات الهاتفية والاتصالات اللاسلكية، إلى مراقبة الإنترنت والكابلات البحرية، وصولًا إلى بناء برامج عملاقة مثل إيشيلون وبريزم وتامبورا.
بهذا المعنى، يمكن القول إن تحالف العيون الخمس لم يكن مجرد تعاون بين خمس دول، بل هو بمثابة دولة ظل استخبارية تملك جيشًا من المحطات الأرضية والأقمار الصناعية والخبراء التقنيين، وتدير شبكة مراقبة عابرة للقارات. وهو ما يجعل فهم هذا التحالف اليوم شرطًا أساسيًا لفهم أي عملية تجسس كهرومغناطيسي، سواء في الماضي أو الحاضر.
النشأة والتأسيس
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف المعركة عند حدود الدبابات والطائرات، بل امتدت إلى حرب سرية على الاتصالات والمعلومات. ففي عام 1946 وُقّعت اتفاقية سرية بين الولايات المتحدة وبريطانيا عُرفت باسم اتفاقية UKUSA، وضعت الأساس لأقوى تحالف استخباري في العصر الحديث.
كانت هذه الاتفاقية بمثابة “ميثاق غير معلن” لتبادل المعلومات الاستخبارية، وخاصة تلك المتعلقة بالاتصالات السوفيتية. فالعالم آنذاك كان يدخل سريعًا في أجواء الحرب الباردة، حيث أصبحت القدرة على اعتراض الإشارات وفك الشيفرات عنصرًا لا يقل أهمية عن امتلاك الصواريخ أو القنابل النووية.
بعد عامين فقط، انضمت كندا (1948) إلى التحالف، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يطل مباشرة على القطب الشمالي، بوابة الاتصالات الروسية. ثم توسع الحلف أكثر بانضمام أستراليا ونيوزيلندا (1956)، ليكتمل بذلك ما صار يُعرف لاحقًا باسم “تحالف العيون الخمس” – Five Eyes.
الهدف الأساسي من هذا التحالف في بداياته كان واضحًا: مراقبة واعتراض كل ما يمكن اعتراضه من الاتصالات السوفيتية والرادارات العسكرية، وبناء شبكة مشتركة لتوزيع الأدوار الجغرافية بين الأعضاء. لكن ما بدأ كجدار استخباري ضد موسكو، سرعان ما تحوّل إلى إمبراطورية تجسس كهرومغناطيسي عابرة للقارات.
الدول الأعضاء وأدوارهم
لم يكن اختيار الدول الخمس في هذا التحالف صدفة، بل جاء نتيجة تكامل جغرافي وتقني ولغوي جعل منها شبكة استخبارات عالمية تغطي الكوكب بأسره. ولكل دولة دور محدد يجعلها جزءًا لا يُستغنى عنه:
الولايات المتحدة (NSA)
تُعد الولايات المتحدة القلب النابض لتحالف العيون الخمس، حيث تشكّل وكالة الأمن القومي (NSA) العمود الفقري للحلف. تمتلك واشنطن البنية التحتية الأضخم:
1.شبكة واسعة من الأقمار الصناعية وأجهزة الاعتراض الفضائي.
2. محطات أرضية تنتشر حول العالم.قدرات تحليل بيانات تتفوق على أي دولة أخرى.
3. كما أن الولايات المتحدة هي التي تقود التنسيق العام، وتوفر التمويل والتقنيات المتطورة، لتبقى صاحبة الكلمة العليا في إدارة هذه المنظومة.
المملكة المتحدة (GCHQ)
تلعب بريطانيا، عبر مقر الاتصالات الحكومية (GCHQ)، دور الشريك الاستراتيجي الأقرب للولايات المتحدة. فهي تدير مواقع محورية مثل:
- Menwith Hill: أكبر محطة تنصت خارج الأراضي الأميركية.
- Cheltenham: المقر الرئيسي للـ GCHQ.
تركز بريطانيا بشكل خاص على أوروبا والشرق الأوسط، وتتميز بقدرات قوية في التحليل اللغوي والتقني، مما يجعلها مكملة للقدرات الأميركية.
كندا (CSE)
تمثل كندا الجناح الشمالي للتحالف، وتدير شبكة من محطات الرصد أهمها Leitrim. موقعها الجغرافي يمنحها أفضلية في مراقبة الاتصالات القادمة من روسيا عبر القطب الشمالي.كما تشتهر كندا بخبراتها المتقدمة في التشفير والتحليل، ما يجعلها ركيزة أساسية لدعم العمليات التقنية للحلف.
أستراليا (ASD – سابقًا DSD)
موقع أستراليا يجعلها عين التحالف على آسيا والمحيط الهادئ. وتُعتبر محطة Pine Gap إحدى أهم قواعد التجسس الكهرومغناطيسي في العالم، حيث تُستخدم لاعتراض إشارات الأقمار الصناعية وتعقب التجارب الصاروخية.تلعب أستراليا دورًا حيويًا في ربط التحالف بعمق آسيا، خاصة تجاه الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا.
نيوزيلندا (GCSB)
على الرغم من حجمها الصغير، فإن نيوزيلندا، عبر مكتب أمن الاتصالات الحكومية (GCSB)، تشكّل عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في جنوب المحيط الهادئ. تدير محطة Waihopai التي تلعب دورًا رئيسيًا في اعتراض الاتصالات عبر الأقمار الصناعية.تركز نيوزيلندا بشكل خاص على جنوب شرق آسيا وجزر المحيط الهادئ، مما يغطي مناطق قد لا تصل إليها باقي الدول.
نظام العمل وآلية التنسيق
تحالف العيون الخمس لم يكن مجرد تفاهم سياسي بين خمس دول، بل جرى تصميمه ليعمل كأنه جهاز استخباري واحد بوجوه متعددة. ولتحقيق ذلك، اعتمد على مجموعة من الآليات المحكمة:
تقسيم جغرافي ولغوي للمهام:
كل دولة أوكلت إليها مناطق محددة في العالم لتكون مسؤولة عن مراقبتها.
- الولايات المتحدة تركز على روسيا، الصين، وأمريكا اللاتينية.
- بريطانيا تراقب أوروبا والشرق الأوسط.
- كندا تغطي الاتصالات القادمة من القطب الشمالي.
- أستراليا ونيوزيلندا تراقبان آسيا والمحيط الهادئ.
مشاركة المعلومات في قاعدة بيانات مشتركة:
البيانات التي يتم اعتراضها لا تبقى عند الدولة التي جمعتها، بل تُرفع إلى منظومات تحليل مركزية مشتركة، بحيث يستطيع أي عضو الاطلاع عليها والاستفادة منها.
تبادل التكنولوجيا والأدوات:
لا يقتصر التعاون على تشغيل برامج مثل إيشيلون، بل يشمل تطوير أدوات لفك التشفير، أنظمة للتحليل اللغوي، قدرات في الذكاء السيبراني، وحتى تقنيات دفاعية لحماية البنية التحتية الوطنية. وبفضل هذا التنسيق، بات التحالف أشبه بـ عقل استخباري عالمي، حيث تُجمع المعلومة في طرف من العالم وتُحلل في طرف آخر خلال ثوانٍ.
أعمالهم المعاصرة
مع أحداث 11 سبتمبر 2001، دخل تحالف العيون الخمس مرحلة جديدة؛ إذ توسعت صلاحياته لتشمل مكافحة الإرهاب عالميًا، ولم يعد يكتفي بمتابعة الخصوم التقليديين كروسيا والصين.أطلقت وكالة الأمن القومي الأميركية برنامج PRISM لاعتراض بيانات الشركات التكنولوجية الكبرى مثل غوغل وفيسبوك ومايكروسوفت. (لي مقال مفصل عن هذا المشروع لقراءته أضغط هنا)
في بريطانيا، طوّر مقر الاتصالات الحكومية GCHQ برنامج Tempora لاعتراض كابلات الإنترنت البحرية. (لي مقال مفصل عن هذا المشروع لقراءته أضغط هنا)
بقية الدول عززت شبكاتها لمراقبة الاتصالات الإقليمية، لتتكامل مع هذه البرامج العملاقة.اليوم، يُعتبر تحالف العيون الخمس أوسع شبكة استخبارات إشاريّة (SIGINT) في العالم، بقدرات تفوق ما تملكه أي دولة منفردة. ومن خلاله، تحوّل التجسس الكهرومغناطيسي من مجرد أداة عسكرية في الحرب الباردة إلى نظام مراقبة شامل يطول الأفراد والحكومات والشركات عبر العالم.
الخاتمة
تحالف العيون الخمس لم يكن مجرد تعاون استخباري عابر، بل تحوّل إلى أضخم منظومة تجسس كهرومغناطيسي في التاريخ. فهو الذي أرسى القواعد العملية للتجسس على الأثير، ووزّع الأدوار بين أعضائه بدقة، وربط المحطات الأرضية بالأقمار الصناعية في شبكة عابرة للقارات. هذا التحالف نجح في أن يكون دولة ظل استخبارية، تملك قدرات لا تضاهيها أي قوة منفردة: من اعتراض الاتصالات السوفيتية في الأربعينات، إلى مراقبة الإنترنت عالميًا بعد 11 سبتمبر. وبذلك، صار فهم العالم الرقمي والاتصالات الحديثة مستحيلًا من دون المرور عبر بوابة هذا الحلف.لكن لكي نفهم منجزات هذا التحالف على أرض الواقع، علينا أن نغوص في أول وأشهر مشاريعه: برنامج إيشيلون – ECHELON، الشبكة التي جعلت العالم كله تحت المراقبة الكهرومغناطيسية.وهذا ما سنبدأ به في الحلقة القادمة من هذه السلسلة، حيث نكشف تفاصيل أكبر عملية تنصت في التاريخ، وكيف غيّرت قواعد اللعبة في عالم الاستخبارات.
