قبل أن يُعرف بالأمن السيبراني :كيف بدأت رحلتي مع تشفير الرسائل عام 1997… وامتدت إلى البحث في حماية الدولة وسيادتها الرقمية

ANALYSIS-2026-025 | قبل أن يُعرف بالأمن السيبراني
iTach Denmark (ITSSC) Logo

قبل أن يُعرف بالأمن السيبراني

كيف بدأت رحلتي مع تشفير الرسائل عام 1997… وامتدت إلى البحث في حماية الدولة وسيادتها الرقمية
ANALYSIS-2026-025 DOCUMENTARY ESSAY ITSSC INFORMATION SECURITY DIGITAL SOVEREIGNTY CRYPTOGRAPHY IRAQ 1997
مركز الدراسات الاستراتيجية للأمن القومي الرقمي
iTach Denmark (ITSSC)
وحدة دراسات السيادة الرقمية، الأمن القومي الرقمي، والبنية التحتية الحرجة
Digital Sovereignty, National Digital Security & Critical Infrastructure Studies Unit
القسم: مقالات توثيقية — تاريخ التقنية، التشفير، أمن المعلومات، والسيادة الرقمية
التصنيف الموضوعي: التشفير، أمن المعلومات، الأمن السيبراني، السيادة الرقمية، العراق، التعليم التقني
رقم المادة: ANALYSIS-2026-025
تاريخ النشر: 29/06/2026

إعداد: المهندس مصطفى كامل الشريف
مستشار أمن المعلومات والسيادة الرقمية
المدير التنفيذي لمركز iTach Denmark – ITSSC
المختص بالدراسات الاستراتيجية للأمن القومي الرقمي
mustafa@itach.dk
www.itach.dk
صيغة الاقتباس:
iTach Denmark (ITSSC), 2026. ANALYSIS-2026-025. قبل أن يُعرف بالأمن السيبراني: كيف بدأت رحلتي مع تشفير الرسائل عام 1997… وامتدت إلى البحث في حماية الدولة وسيادتها الرقمية. Center for Strategic Studies in National Digital Security, Digital Sovereignty & Critical Infrastructure Studies Unit.
وصف المقال:
مقال توثيقي وتأملي يربط بين تجربة أكاديمية عراقية مبكرة في تشفير الرسائل عام 1997، وبين المسار اللاحق في أمن المعلومات والأمن السيبراني والسيادة الرقمية. لا يقدّم المقال نفسه بوصفه سيرة ذاتية أو استعراضًا لإنجاز، بل بوصفه رحلة فكرة بدأت بسؤال: كيف نحمي الرسائل؟ وامتدت بعد قرابة ثلاثين عامًا إلى سؤال أوسع: كيف نحمي الدولة وسيادتها الرقمية؟

استهلال: أوراق تحفظ بدايات الأفكار

هناك أوراق لا تحفظ الذكريات فقط، بل تحفظ البدايات الأولى للأفكار.

عندما عثرت، بعد قرابة ثلاثين عامًا، على النسخة الأصلية من بحث كتبته عام 1997، لم أشعر أنني أستعيد مشروعًا طلابيًا قديمًا، ولا مناسبة علمية انتهت، ولا شهادة فوز طواها الزمن. كانت الأوراق قد اصفر لونها، وبهت بعض حبرها، لكن السؤال الذي حملته بقي حيًا كما كان:

كيف نحمي الرسائل؟

في ظاهره، كان السؤال تقنيًا بسيطًا. رسالة تُكتب، ثم تُشفّر، ثم لا يستطيع قراءتها إلا من يملك مفتاحها. لكنه، مع مرور السنين، لم يبقَ سؤالًا عن رسالة فقط. كبر السؤال بهدوء، واتسع مع الدراسة والعمل والخبرة، حتى صار بعد قرابة ثلاثة عقود سؤالًا أكبر بكثير:

كيف نحمي الدولة وسيادتها الرقمية؟

هذه ليست حكاية عن الفوز بالمركز الأول، ولا عن إنجاز شخصي قديم، ولا عن سيرة ذاتية. إنها حكاية فكرة بدأت صغيرة في مختبر حاسوب محدود الإمكانات، ثم ظلت تكبر حتى أصبحت جزءًا من رؤية أوسع لأمن المعلومات، والأمن السيبراني، والسيادة الرقمية.

من سؤال الرسالة إلى سؤال الدولة

في منتصف التسعينيات، لم يكن الحاسوب شيئًا يوميًا مألوفًا كما هو اليوم. لم تكن المعرفة التقنية متاحة بضغطة زر، ولم تكن المراجع الرقمية مفتوحة أمام الطالب كما هي الآن. كان الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى بحث وسؤال وانتظار، وكانت المختبرات الحاسوبية مساحة اكتشاف لا مجرد قاعة دراسية.

في تلك البيئة، كان اختيار موضوع في التشفير خيارًا غير عادي. لم يكن مشروعًا إداريًا تقليديًا، ولا برنامجًا بسيطًا لإدخال البيانات وإخراج التقارير، بل محاولة لفهم فكرة أعمق: كيف يمكن للرياضيات والبرمجة أن تحميا المعنى؟

كان السؤال صغيرًا في صورته الأولى: كيف نحمي رسالة؟ لكنه كان يحمل داخله بذرة سؤال أكبر عن حماية المعلومة والثقة والحق في الوصول.

العراق والتقنية في منتصف التسعينيات

كانت المختبرات الحاسوبية في تلك المرحلة أقرب إلى مساحات اكتشاف. لم تكن الأدوات كثيرة، ولم تكن المصادر متاحة كما هي اليوم، ولم يكن الطالب يستطيع أن يفتح محرك بحث ليجد شرحًا أو كودًا أو مرجعًا في دقائق.

لذلك كانت قيمة المعلومة مختلفة. كان الحصول على فكرة تقنية، أو مثال برمجي، أو شرح رياضي، يحتاج إلى متابعة وقراءة وسؤال ومراجعة. وكان أي مشروع يتجاوز التطبيقات التقليدية يتطلب جهدًا مضاعفًا لفهم الفكرة قبل تنفيذها.

في هذه البيئة لم يكن التشفير موضوعًا عابرًا. كان بابًا إلى عالم يجمع بين الرياضيات والمنطق والبرمجة وأمن الاتصالات. ولذلك بقي أثره أعمق من مجرد مشروع دراسي.

تشفير الرسائل وأمن الاتصالات السرية

كان عنوان البحث:

تشفير الرسائل وأمن الاتصالات السرية

وقد دار حول فكرة التشفير، وبالأخص ما كان يُعرف في ذلك الزمن بخوارزميات حقيبة الظهر، أو Knapsack Cryptography، وهي من المحاولات المبكرة في تاريخ التشفير بالمفتاح العام.

لم تكن قيمة البحث، بالنسبة لي اليوم، في أنه تناول خوارزمية بعينها، بل في أنه فتح أمامي بابًا مبكرًا لفهم العلاقة بين النص والسر، وبين البرمجة والثقة، وبين المعلومة ومن يملك حق الوصول إليها.

في ذلك العمر، لم أكن أستخدم مصطلحات مثل الأمن السيبراني أو السيادة الرقمية. لم تكن هذه اللغة حاضرة في تجربتي كما هي اليوم. لكن جوهر الفكرة كان موجودًا في أبسط صورة: هناك رسالة، وهناك مرسل، وهناك مستقبل، وهناك طرف ثالث قد يحاول الاطلاع أو الاعتراض أو العبث. فكيف نحمي المعنى في طريقه من يد إلى يد؟

لماذا جذبني التشفير؟

هذا السؤال هو ما جذبني إلى التشفير. لم يكن الأمر مجرد إعجاب بالغموض أو الخوارزميات، بل كان هناك شيء أعمق في فكرة أن تتحول الرسالة الواضحة إلى صيغة لا يفهمها إلا من يملك المفتاح.

كان في ذلك درس مبكر: ليست كل معلومة موجودة متاحة للجميع، وليس كل من يرى النص يملك حق فهمه. المفتاح هنا لم يكن أداة تقنية فقط، بل رمزًا للحق في الوصول.

في التشفير، لا يكفي أن ترى النص. يجب أن تملك المفتاح. وهذه الفكرة ستعود لاحقًا، على نطاق أكبر، في مفهوم السيادة الرقمية.

من الفكرة إلى برنامج يعمل

ومن هنا بدأت رحلة إعداد البحث. كان لا بد من فهم الفكرة النظرية، وتبسيطها، ورسم مسارها، ثم تحويلها إلى برنامج عملي باستخدام Turbo Pascal.

لم يكن المطلوب أن يبقى التشفير فكرة على الورق، بل أن يتحول إلى نموذج يعمل: تُدخل الرسالة، فتخرج مشفرة، ثم تُفك لتعود إلى معناها الأصلي.

هذه اللحظة، حين تتحول الفكرة إلى برنامج، كانت بالنسبة لي أول درس حقيقي في أن الأمن لا يكتمل بالشعارات، بل يحتاج إلى نظام يعمل، وخطوات واضحة، ومنطق قابل للاختبار.

الأمن لا يكتمل بالنوايا أو الشعارات، بل بمنظومة قابلة للعمل والاختبار والتحقق.

الجهد المشترك والمناقشة الوطنية

لم يكن البحث عملًا فرديًا بالكامل. كان الزميل سامان شريكًا في مرحلة إعداد البحث، ومن الإنصاف العلمي والأخلاقي الاعتراف بجهده. كما كان للأستاذة المشرفة دور محترم ومهم في الإشراف والمساعدة، خصوصًا في الجانب البرمجي والتنظيمي.

لكن من المهم أيضًا التمييز بين مراحل العمل: إعداد البحث، البرمجة، المناقشة، وتسجيل النتيجة. فعند المشاركة في المؤتمر العلمي الوطني لهيئة المعاهد الفنية في العراق، المنعقد في جامعة القادسية عام 1997، لم يحضر الزميل سامان المناقشة الوطنية، ولم تحضر الأستاذة المشرفة أيضًا.

حضرت أنا أمام لجنة التحكيم، وشرحت البحث، ودافعت عنه، ولذلك سُجلت النتيجة رسميًا باسمي واسم الأستاذة المشرفة، مع بقاء الاعتراف الأخلاقي بدور سامان جزءًا من أمانة السرد.

المركز الأول… لكنه ليس مركز الحكاية

حصل البحث على المركز الأول على مستوى القسم، ثم على مستوى المعهد، ثم بالمركز الأول على مستوى العراق في المؤتمر العلمي الوطني.

لكنني، وأنا أكتب اليوم، لا أريد أن يكون الفوز هو مركز الحكاية. الفوز كان مهمًا في سياقه، لكنه لم يكن المعنى الأعمق. المعنى الحقيقي أن سؤالًا صغيرًا خرج من مختبر محدود الإمكانات إلى فضاء أوسع، ثم ظل حاضرًا في داخلي حتى بعد أن تغيرت الظروف والبلدان واللغة والمجال المهني.

المركز الأول كان محطة مهمة، لكنه لم يكن نهاية القصة. القصة الحقيقية كانت استمرار السؤال.

الطريق غير المستقيم

لم يكن الطريق بعد ذلك مستقيمًا. بين مشروع التشفير عام 1997 والعمل لاحقًا في أمن المعلومات والأمن السيبراني والسيادة الرقمية، كانت هناك سنوات قاسية فرضتها ظروف العراق في تلك المرحلة، وانقطاع علمي وحياتي قبل أن تبدأ مرحلة جديدة في بلد آخر.

لكن الأفكار العميقة قد تتعثر، لكنها لا تموت بسهولة. قد تصمت سنوات، وقد تفقد طريقها مؤقتًا، لكنها تبقى في الداخل، تنتظر بيئة جديدة كي تعود بلغة جديدة.

لم يكن الانتقال من التشفير إلى السيادة الرقمية طريقًا مباشرًا، بل رحلة طويلة عبر الانقطاع وإعادة البناء.

من الشبكات إلى السيادة الرقمية

في الدنمارك، ومع دراسة تكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات، ثم التخصص في الشبكات وأمن الشبكات، بدأ السؤال القديم يعود بصيغة أوسع. لم تعد المسألة رسالة واحدة تحتاج إلى تشفير، بل بيانات تتحرك داخل شبكات، وأنظمة تعتمد عليها مؤسسات، وبنى رقمية لا يمكن أن تتوقف من دون أثر.

عندها بدأ السؤال يكبر:

  • كيف نحمي البيانات؟
  • كيف نحمي الشبكات؟
  • كيف نحمي المؤسسات؟
  • كيف نحمي البنى التحتية؟
  • ثم أخيرًا: كيف نحمي الدولة وسيادتها الرقمية؟

هذا التطور لم يكن انتقالًا عشوائيًا بين تخصصات مختلفة، بل كان اتساعًا طبيعيًا للسؤال الأول. فالرسالة تحتاج إلى قناة، والقناة تحتاج إلى شبكة، والشبكة تحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى حوكمة، والحوكمة حين تتعلق بالدولة تصبح جزءًا من السيادة.

الفكرة التي كبرت

في التشفير، من لا يملك المفتاح لا يملك المعنى. وفي السيادة الرقمية، من لا يملك مفاتيح بنيته الرقمية لا يملك قراره كاملًا. الفرق بين الحالتين ليس في الجوهر، بل في الحجم. الأولى رسالة بين شخصين، والثانية دولة كاملة داخل فضاء رقمي معقد.

لقد علّمني التشفير مبكرًا أن الحماية ليست شيئًا نضيفه في النهاية، بل جزء من تصميم العلاقة نفسها. فإذا بنينا نظامًا ثم فكرنا بحمايته لاحقًا، نكون قد وضعنا الضعف في أساسه. وهذا ما ينطبق أيضًا على الدول.

فالتحول الرقمي الذي لا يبدأ من سؤال الحماية والسيادة قد ينتج خدمات رقمية جميلة، لكنه يترك خلفه فجوات خطيرة: بيانات بلا تصنيف، أنظمة بلا حوكمة، عقود بلا شروط سيادية، منصات بلا تدقيق، ومفاتيح ثقة خارج يد الدولة.

لذلك لم تعد السيادة الرقمية، في نظري، مصطلحًا نظريًا أو شعارًا سياسيًا. إنها الامتداد الطبيعي لسؤال التشفير الأول.

فإذا كانت الرسالة الصغيرة تحتاج إلى حماية كي لا تُقرأ من غير صاحبها، فإن بيانات الدولة، وسجلات المواطنين، ومنظومات الهوية، والمصارف، والاتصالات، ومراكز البيانات، والبنى التحتية الحرجة تحتاج إلى حماية أكبر، لأنها لم تعد مجرد رسائل منفردة، بل ذاكرة دولة وقدرتها على اتخاذ القرار.

الخاتمة

حين أعود اليوم إلى أوراق بحث 1997، لا أرى فيها ماضيًا مغلقًا. أرى فيها البذرة الأولى. لم أكن أعلم، وأنا أكتب أسطر ذلك البحث، أنني لا أكتب مشروعًا طلابيًا فقط، بل أكتب أول صفحة من رحلة سترافقني طويلًا.

رحلة بدأت بمحاولة فهم كيف نحمي رسالة بين شخصين، وما زالت مستمرة اليوم في البحث عن كيفية حماية الأوطان، وبناء السيادة الرقمية، وصون الثقة في عالم أصبحت فيه المعلومة أحد أهم عناصر القوة.

وهذا هو جوهر الحكاية.

ليست الحكاية أنني حصلت على المركز الأول. وليست الحكاية أنني درست التشفير مبكرًا. وليست الحكاية أنني انتقلت لاحقًا إلى أمن المعلومات والسيادة الرقمية. الحكاية أن سؤالًا صغيرًا بقي حيًا، وكبر مع الزمن.

في عام 1997 كان السؤال:
كيف نحمي الرسائل؟
واليوم، بعد قرابة ثلاثين عامًا، ما زلت أبحث عن الإجابة نفسها، لكن على نطاق أكبر:
كيف نحمي الوطن في عالم أصبحت فيه الرسائل بيانات، والبيانات بنى تحتية، والبنى التحتية جزءًا من السيادة؟

لهذا لا أرى في بحث تشفير الرسائل وأمن الاتصالات السرية مجرد ورق قديم اصفر لونه، بل أرى فيه بداية فكرة لم تمت. فكرة بدأت بحماية رسالة، وما زالت مستمرة في السعي إلى حماية وطن.

ملحق وثائقي

يُخصص هذا القسم لإضافة صور البحث الأصلي، وشهادة المؤتمر، وكتاب الشكر والتقدير، وأي وثائق إضافية يتم العثور عليها لاحقًا.

شهادة المؤتمر العلمي القطري التاسع عشر لعام 1997
الملحق (1): الشهادة التقديرية الخاصة بحصول البحث على المركز الأول في المؤتمر العلمي القطري التاسع عشر لطلبة المعاهد العراقية لعام 1997، والممنوحة من الاتحاد الوطني لطلبة العراق. وتظهر في أعلى الزاوية اليسرى الملاحظة الخطية الأصلية التي توثق حصول البحث على المركز الأول.
شكل رقم 1: الجدول الزمني لكسر الشفرة
الملحق (2): شكل رقم (1) — جدول فك الشفرة/الجدول الزمني لكسر الشفرة، وهو من الوثائق الأصلية التي تعكس محاولة البحث تقدير العلاقة بين حجم الرموز والزمن اللازم لكسر التشفير.
شكل رقم 2: المخطط الانسيابي
الملحق (3): شكل رقم (2) — مخطط انسيابي من البحث الأصلي يوضح جانبًا من منهجية تحويل الفكرة الرياضية إلى خطوات برمجية قابلة للتنفيذ.
مثال رقم 1 لتشفير كلمة
الملحق (4): مثال رقم (1) — نموذج حسابي لتشفير كلمة، يوضح كيف تم تحويل الحروف إلى تمثيلات رقمية ثم إلى قيم مشفرة ضمن فكرة حقيبة الظهر.
شكل رقم 3: المخطط الانسيابي الكامل للمشروع
الملحق (5): شكل رقم (3) — المخطط الانسيابي الكامل للبرنامج، ويعرض التسلسل العام لفكرة التشفير وفك التشفير كما تم تنظيمها في المشروع.
صورة لجميع أوراق البحث والملحقات
الملحق (6): صورة جامعة لعدد من أوراق البحث والملحقات الأصلية، بما في ذلك المخططات والأمثلة الحسابية والصفحات التي وثقت مراحل إعداد المشروع.