التشريع قبل الأزمة
لماذا سبق الاتحاد الأوروبي العالم في حوكمة الذكاء الاصطناعي؟
المدير التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية
mustafa@itach.dk — www.itach.dk
المقدمة
بعد أن قرر الاتحاد الأوروبي، اعتبارًا من يوم الأحد 2 أغسطس 2026، البدء بتطبيق صلاحيات جديدة تتيح له إنفاذ قواعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act) وفرض غرامات مالية كبيرة على الشركات المخالفة، عاد هذا القانون ليتصدر الاهتمام العالمي. لكن أهمية هذا الحدث لا تكمن في قيمة الغرامات التي قد تصل إلى 35 مليون يورو أو 7% من الإيرادات العالمية السنوية لبعض الشركات، بقدر ما تكمن في دخوله مرحلة التنفيذ الفعلي، ليصبح أحد أكثر التشريعات الرقمية تأثيرًا في العالم.
وجاء هذا التوجه استجابةً لما يشهده العالم من تحول غير مسبوق في استخدامات الذكاء الاصطناعي، بعد أن انتقل خلال سنوات قليلة من كونه تقنية متخصصة إلى أداة تدخل في تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من محركات البحث وروبوتات المحادثة، مرورًا بالقطاع المالي، والرعاية الصحية، والتعليم، وانتهاءً بالإدارة الحكومية، والأمن، والإعلام، وصناعة القرار.
ومع هذا التوسع السريع، برزت تحديات جديدة لم تعد القوانين التقليدية قادرة على معالجتها بصورة كافية، مثل التزييف العميق، والمحتوى المولد آليًا، واتخاذ القرارات بواسطة الخوارزميات، وإمكانية التأثير في الرأي العام، فضلًا عن قضايا الخصوصية، والتمييز، والشفافية، والمساءلة.
وفي مواجهة هذه التحديات، اختار الاتحاد الأوروبي مسارًا مختلفًا عن كثير من دول العالم؛ فلم ينتظر حتى تتفاقم المشكلات أو تتحول إلى أزمات قانونية أو أمنية، بل اتجه إلى بناء إطار تشريعي متكامل ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي قبل اتساع آثارها.
ورغم أن هذا القانون يُعد تشريعًا أوروبيًا، فإن تأثيره لا يقتصر على دول الاتحاد الأوروبي، بل يمتد عمليًا إلى الشركات في مختلف أنحاء العالم التي ترغب في تقديم أنظمة أو خدمات ذكاء اصطناعي داخل السوق الأوروبية، الأمر الذي يجعله أحد أكثر التشريعات التقنية تأثيرًا على المستوى الدولي.
ومن هنا، تبرز أهمية النظر إلى هذا القانون من زاوية تتجاوز حدود أوروبا، ولا سيما بالنسبة للدول التي تعمل على تطوير منظومتها الرقمية وتشريعاتها التقنية، ومن بينها العراق، الذي يناقش في الوقت نفسه مشروع قانون الجرائم الرقمية ويواصل تنفيذ برامج التحول الرقمي في مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الذي يحاول هذا المقال الإجابة عنه ليس ما إذا كان العراق بحاجة إلى استنساخ التجربة الأوروبية، وإنما:
وهل يكفي وجود قانون يعالج الجرائم الرقمية بعد وقوعها، أم أن المرحلة القادمة تتطلب أيضًا إطارًا تشريعيًا ينظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي قبل أن تتحول مخاطره إلى واقع؟
أولًا: لماذا سنّ الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي؟
لم يكن صدور قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي استجابة لحادثة منفردة أو أزمة طارئة، بل جاء نتيجة قناعة متزايدة لدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي بأن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد الرقمي، وفي الوقت نفسه أحد المصادر المحتملة للمخاطر إذا تُرك دون إطار قانوني واضح.
فمع التطور الكبير الذي شهدته النماذج التوليدية، أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية وفيديوهات يصعب في كثير من الأحيان تمييزها عن المحتوى الحقيقي، كما بدأت تدخل في عمليات تؤثر بصورة مباشرة في حياة الأفراد، مثل تقييم طلبات القروض، والمساعدة في التشخيص الطبي، وفرز طلبات التوظيف، وتحليل البيانات، ودعم اتخاذ القرار في بعض القطاعات الحساسة.
وفي المقابل، لم تعد المخاطر تقتصر على الجوانب التقنية، بل امتدت إلى قضايا أكثر تعقيدًا، مثل نشر المعلومات المضللة، والتزييف العميق، وانتهاك الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، وغياب الشفافية في القرارات التي تتخذها الأنظمة الذكية.
وأمام هذا الواقع، تبنى الاتحاد الأوروبي فلسفة تقوم على أن الابتكار لا يتعارض مع التنظيم، وأن بناء الثقة في الذكاء الاصطناعي يتطلب قواعد واضحة تحدد المسؤوليات والالتزامات منذ البداية، بدلًا من انتظار وقوع الأضرار ثم محاولة معالجتها لاحقًا.
ولهذا، لم يكن الهدف من القانون تقييد استخدام الذكاء الاصطناعي أو إبطاء تطوره، وإنما توفير بيئة قانونية تضمن استخدامه بصورة مسؤولة، وتحمي حقوق الأفراد، وتعزز الثقة في الخدمات الرقمية، مع المحافظة في الوقت نفسه على قدرة الشركات الأوروبية والعالمية على الابتكار ضمن إطار واضح وقابل للتنبؤ.
ثانيًا: الفلسفة التشريعية لقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي
ربما يعتقد البعض أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي هو مجرد قائمة من المحظورات والغرامات، لكن قراءة متأنية لنصوص القانون تكشف أن جوهره الحقيقي يقوم على إدارة المخاطر (Risk-Based Approach)، وهي الفلسفة التي أصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية في التشريعات التقنية الحديثة.
فالاتحاد الأوروبي لم ينظر إلى جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي باعتبارها متساوية في مستوى الخطورة، بل انطلق من مبدأ بسيط مفاده أن ليست كل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحمل المستوى نفسه من المخاطر، وبالتالي لا ينبغي أن تخضع جميعها للمستوى نفسه من التنظيم.
ولهذا قسّم القانون أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى فئات تختلف في درجة الرقابة والالتزامات القانونية المفروضة عليها، بحسب تأثيرها المحتمل في الإنسان وحقوقه وسلامته والمجتمع.
فعلى سبيل المثال، تختلف المتطلبات التنظيمية لنظام يقتصر دوره على اقتراح الأفلام أو الموسيقى للمستخدم، عن نظام يُستخدم في المساعدة على تشخيص الأمراض، أو فرز المتقدمين للوظائف، أو إدارة البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، أو دعم بعض القرارات الحكومية التي قد تؤثر في حقوق الأفراد أو المصلحة العامة. فكلما ارتفع تأثير النظام في حياة الإنسان أو في المصلحة العامة، ارتفع مستوى المسؤولية القانونية والرقابية المفروضة على مطوره أو مشغله.
وبذلك، انتقل التشريع الأوروبي من سؤال تقليدي:
إلى سؤال أكثر نضجًا:
وهذا التحول في طريقة التفكير يمثل نقلة نوعية في فلسفة التشريع الرقمي، لأنه يوازن بين هدفين قد يبدوان متعارضين للوهلة الأولى: تشجيع الابتكار من جهة، وحماية المجتمع من جهة أخرى.
الحوكمة بدلًا من المنع
ومن الملاحظ أيضًا أن الاتحاد الأوروبي لم يعتمد سياسة المنع الشامل، بل اعتمد مفهوم الحوكمة (Governance).
فالهدف لم يكن إيقاف تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما وضع قواعد واضحة تحدد:
- من يتحمل المسؤولية؟
- ما التزامات المطور؟
- ما حقوق المستخدم؟
- كيف يمكن التحقق من سلامة الأنظمة؟
- متى يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟
- ما الحالات التي تستوجب تدخلًا رقابيًا أكبر؟
وبذلك أصبح الامتثال جزءًا من دورة حياة النظام منذ مرحلة التصميم والتطوير، وليس إجراءً يُفرض بعد طرح المنتج في الأسواق.
وهذا النهج يعكس توجهًا عالميًا متزايدًا نحو ما يعرف بالحوكمة الرقمية، التي لا تكتفي بمعالجة المخالفات بعد وقوعها، وإنما تسعى إلى بناء منظومة تقلل احتمالات حدوثها من الأساس.
ليست الغرامات هي الرسالة الأساسية
ورغم أن وسائل الإعلام ركزت على الغرامات الكبيرة التي قد تصل إلى 35 مليون يورو أو 7% من الإيرادات العالمية السنوية لبعض الشركات، فإن هذه الغرامات ليست جوهر القانون، وإنما تمثل أداة لضمان الامتثال.
فالرسالة الحقيقية التي يريد الاتحاد الأوروبي إيصالها إلى الشركات هي أن المسؤولية عن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تنتهي عند تطوير النموذج أو تسويقه، بل تستمر طوال دورة حياته، من التصميم والتدريب والاختبار وحتى التشغيل والمتابعة والتحديث.
ومن هنا، أصبح الامتثال لمتطلبات الشفافية، وإدارة المخاطر، والتوثيق، والإفصاح، جزءًا من بيئة العمل الطبيعية لأي شركة ترغب في تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي داخل السوق الأوروبية.
وهنا تتضح الفلسفة التشريعية التي يقوم عليها قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي. ومن منظور الحوكمة الرقمية، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي لم يضع قانونًا يهدف إلى تقييد الذكاء الاصطناعي بقدر ما سعى إلى بناء إطار متكامل لحوكمته. فالفرق بين التشريع التقليدي وحوكمة التقنيات الناشئة لا يقتصر على صياغة النصوص القانونية، بل يمتد إلى الفلسفة التي يقوم عليها كل منهما؛ فبينما يركز التشريع التقليدي على تحديد الأفعال المحظورة والعقوبات المترتبة عليها، تهدف الحوكمة إلى إدارة المخاطر، وتوزيع المسؤوليات، وتعزيز الشفافية والثقة، وتحقيق التوازن بين الابتكار وحماية المجتمع.
ثالثًا: من المستفيد الحقيقي من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي؟
قد يُنظر إلى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي على أنه تشريع يفرض قيودًا إضافية على الشركات التقنية، إلا أن قراءة أوسع تكشف أن المستفيدين منه لا يقتصرون على جهة واحدة، بل يشملون المواطنين، والشركات، والجهات التنظيمية على حد سواء. فجوهر القانون لا يتمثل في فرض العقوبات، وإنما في بناء بيئة رقمية أكثر موثوقية، تقوم على الشفافية، والمساءلة، وإدارة المخاطر.
ماذا يحظر قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي؟
إلى جانب تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، يحظر القانون الأوروبي بعض الممارسات التي يصنفها ضمن المخاطر غير المقبولة (Unacceptable Risk)، لأنها قد تمس الحقوق والحريات الأساسية أو تؤثر في سلامة المجتمع. ومن أبرزها:
- أنظمة التلاعب بالسلوك البشري بطرق خفية أو مضللة.
- استغلال الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال أو الأشخاص ذوي الإعاقات، بما قد يؤثر في قراراتهم أو سلوكهم.
- أنظمة التقييم الاجتماعي (Social Scoring) التي تصنف الأفراد أو تمنحهم مزايا أو تفرض عليهم قيودًا استنادًا إلى سلوكهم أو خصائصهم الشخصية.
- بعض استخدامات التعرف البيومتري في الأماكن العامة لأغراض إنفاذ القانون، إلا في حالات استثنائية ووفق ضوابط قانونية محددة.
المواطن الأوروبي… حماية قائمة على الشفافية والثقة
يُعد المواطن الأوروبي المستفيد الأول من هذا القانون، لأنه يمنحه قدرًا أكبر من الوضوح عند تعامله مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فمع التوسع الكبير في استخدام روبوتات المحادثة، والمحتوى المولد آليًا، وتقنيات التزييف العميق، أصبح من الصعب في كثير من الأحيان التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي. ولذلك، فرض القانون في حالات محددة متطلبات للإفصاح والشفافية، بحيث يعلم المستخدم عندما يتعامل مع نظام ذكاء اصطناعي أو عندما يطالع محتوى مولدًا أو معدلًا بهذه التقنيات، وفق الضوابط التي ينص عليها القانون.
ولا تهدف هذه المتطلبات إلى الحد من استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى تمكين المواطن من اتخاذ قراراته على أساس معلومات واضحة، بما يعزز ثقته بالخدمات الرقمية ويحميه من بعض أشكال التضليل أو الانتحال.
وبذلك، يتحول حق المعرفة إلى أحد عناصر الحماية الرقمية، لتصبح الشفافية جزءًا من العلاقة بين المستخدم وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
الشركات… الامتثال بوصفه ميزة تنافسية
قد تبدو متطلبات الامتثال في البداية عبئًا إضافيًا على الشركات، إلا أنها تمثل في الواقع استثمارًا في الثقة واستدامة الأعمال.
فالقانون لا يميز بين شركة أوروبية وأخرى أجنبية إذا كانت تقدم أنظمة أو خدمات ذكاء اصطناعي داخل السوق الأوروبية. لذلك، أصبحت الشركات مطالبة بتبني ممارسات أكثر نضجًا في إدارة المخاطر، وتوثيق النماذج، وتعزيز الشفافية، والإفصاح عن بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لطبيعة النظام ومستوى مخاطره.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الامتثال مجرد التزام قانوني، بل أصبح عنصرًا يعزز الثقة بين الشركات والعملاء والجهات التنظيمية، ويمنح الشركات القادرة على الالتزام أفضلية في الوصول إلى واحدة من أكبر الأسواق الرقمية في العالم.
الجهات التنظيمية… الانتقال من رد الفعل إلى الحوكمة
أما بالنسبة للجهات التنظيمية، فيوفر القانون إطارًا موحدًا يحدد المسؤوليات، وآليات الرقابة، ومتطلبات الامتثال، بما يساعد على تقليل التباين في تطبيق القواعد بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه لا يكتفي بمعالجة المخالفات بعد وقوعها، بل يركز على الوقاية منها من خلال بناء منظومة رقابية تقوم على تقييم المخاطر، والمتابعة المستمرة، والمساءلة، بدلًا من الاقتصار على العقوبات اللاحقة.
وبذلك، يتحول دور الجهة التنظيمية من مجرد فرض العقوبات إلى قيادة منظومة حوكمة توازن بين حماية المجتمع وتشجيع الابتكار.
ليست حماية لأوروبا فقط… بل رسالة إلى العالم
ورغم أن قانون AI Act هو تشريع أوروبي، فإن تأثيره العملي يتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي. فكل شركة ترغب في تقديم خدمات أو أنظمة ذكاء اصطناعي داخل السوق الأوروبية مطالبة بفهم متطلبات هذا القانون والامتثال لها، بصرف النظر عن الدولة التي يقع فيها مقرها.
ولهذا، أصبح AI Act أحد أوائل التشريعات التي تؤثر في الممارسات العالمية للشركات التقنية، وتسهم في تشكيل معايير دولية جديدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
رابعًا: ماذا يمكن للعراق أن يتعلم من التجربة الأوروبية؟
قد يكون من السهل النظر إلى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي بوصفه تشريعًا يخص الاتحاد الأوروبي وحده، لكن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن القيمة الحقيقية لهذا القانون لا تكمن في تفاصيل مواده القانونية، بل في المنهج الذي اتبعه الاتحاد الأوروبي في التعامل مع تقنية ناشئة قبل أن تتحول إلى أزمة تشريعية أو مجتمعية.
وفي الوقت الذي يناقش فيه البرلمان العراقي مشروع قانون الجرائم الرقمية، يبرز سؤال يستحق التأمل:
فالفرق بين التشريعين كبير.
فقانون الجرائم الرقمية يركز بطبيعته على تجريم أفعال غير مشروعة، مثل الاختراق، والاحتيال، والابتزاز، والوصول غير المصرح به إلى الأنظمة والبيانات، وغيرها من الجرائم التي تقع في الفضاء الرقمي.
أما قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، فلا ينطلق من فكرة العقوبة، وإنما من فكرة الحوكمة؛ أي وضع قواعد تنظم تصميم الأنظمة الذكية، وتشغيلها، وإدارتها، وتحدد مسؤوليات مطوريها ومشغليها، وتفرض متطلبات للشفافية وإدارة المخاطر بحسب طبيعة الاستخدام.
ومن هنا، فإن المقارنة بين القانونين ليست مقارنة بين تشريعين يؤديان الوظيفة نفسها، بل بين أداتين تشريعيتين مختلفتين تتكاملان ولا تتنافسان.
ولهذا، فإن وجود قانون للجرائم الرقمية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يغني بالضرورة عن الحاجة مستقبلًا إلى إطار وطني ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع اتساع استخدامه في الخدمات الحكومية، والتعليم، والصحة، والقطاع المالي، والإعلام، والقطاع الأمني.
من التشريع إلى الاستراتيجية
إن إحدى أبرز الرسائل التي تقدمها التجربة الأوروبية هي أن التشريعات الرقمية لم تعد تُصاغ بمعزل عن السياسات الوطنية للتحول الرقمي. فقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي لا يعمل منفردًا، بل يأتي ضمن منظومة تشريعية وتنظيمية أوسع تشمل حماية البيانات، والأمن السيبراني، والمرونة الرقمية، وحوكمة البيانات، بما يحقق تكاملًا بين التشريع والتنظيم والسياسات العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة تشريعية رقمية حديثة لا يقتصر على إصدار قوانين تعالج كل موضوع على حدة، بل يتطلب رؤية وطنية متكاملة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والسيادة الرقمية، والتحول الرقمي بوصفها مكونات مترابطة تؤثر في بعضها بعضًا.
وبالنسبة للعراق، فإن هذه الرؤية قد تكون أكثر أهمية من استنساخ أي قانون بعينه؛ لأن نجاح التشريعات الرقمية لا يقاس بعدد القوانين الصادرة، وإنما بقدرتها على العمل ضمن إطار وطني متكامل يوازن بين الابتكار، وحماية الحقوق، ومتطلبات الأمن الوطني، والتنمية الرقمية.
الخاتمة
لا يمثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي مجرد تشريع جديد لتنظيم تقنية ناشئة، بل يعكس تحولًا أعمق في فلسفة التشريع الرقمي. فبدلًا من الاكتفاء بمعالجة المخالفات بعد وقوعها، اختار الاتحاد الأوروبي الانتقال إلى نهج يقوم على الحوكمة الاستباقية، وإدارة المخاطر، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل أن تتسع آثارها على المجتمع والاقتصاد والمؤسسات.
وقد تختلف الدول في أولوياتها، كما تختلف في بيئاتها القانونية والتنظيمية، إلا أن الدرس الذي تقدمه التجربة الأوروبية يتجاوز حدود القارة نفسها؛ فالتقنيات الناشئة لا تنتظر اكتمال التشريعات، بل تتطور بوتيرة متسارعة، الأمر الذي يجعل بناء الأطر التنظيمية المبكرة جزءًا من الاستعداد للمستقبل، وليس مجرد استجابة لمشكلاته.
وبالنسبة للعراق، فإن مناقشة قانون الجرائم الرقمية تمثل خطوة مهمة في تطوير المنظومة التشريعية الرقمية، لكنها تفتح في الوقت ذاته بابًا لسؤال أوسع يتعلق بمستقبل حوكمة التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
فإذا كانت قوانين الجرائم الرقمية تعالج الأفعال غير المشروعة بعد وقوعها، فإن حوكمة الذكاء الاصطناعي تسعى إلى تنظيم تصميم الأنظمة الذكية وتشغيلها واستخدامها قبل أن تتحول إلى مصدر لمخاطر قانونية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: هل يحتاج العراق إلى قانون للذكاء الاصطناعي؟ بل ربما يكون السؤال الأهم:
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تمثل إحدى أهم القضايا التشريعية التي ستواجه الدول خلال السنوات القادمة، لأن مستقبل التحول الرقمي لن يتحدد بقدرة الدول على تبني الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرتها أيضًا على حوكمته.
المراجع والمصادر
أولًا: المصادر الرسمية للاتحاد الأوروبي
-
الاتحاد الأوروبي، اللائحة
(EU) 2024/1689
الخاصة بوضع قواعد منسقة للذكاء الاصطناعي
(قانون الذكاء الاصطناعي —
AI Act)،
الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي،
13 يونيو 2024.
النص الرسمي للقانون -
المفوضية الأوروبية، قانون الذكاء الاصطناعي
(AI Act)،
البوابة الرسمية للسياسات الرقمية.
الصفحة الرسمية -
المفوضية الأوروبية، الجدول الزمني لتنفيذ قانون الذكاء
الاصطناعي
(AI Act Implementation Timeline).
الجدول الزمني الرسمي -
مكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي
(European AI Office)،
الوثائق والإرشادات المتعلقة بتنفيذ قانون الذكاء الاصطناعي.
الموقع الرسمي للمكتب
ثانيًا: مراجع داعمة
-
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
(OECD)،
OECD AI Principles.
مبادئ الذكاء الاصطناعي -
اليونسكو
(UNESCO)،
Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence.
التوصية الرسمية
