الدفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات المسيّرة : من اختيار الاستجابة إلى دراسة منظومة LIDS الأمريكية

ANALYSIS-2026-043 | الدفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات المسيّرة: من اختيار الاستجابة إلى دراسة منظومة LIDS الأمريكية
شعار مركز iTach Denmark للدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية
ANALYSIS-2026-043 COUNTER-UAS LAYERED DEFENSE LIDS FAAD C2 & COYOTE AI DECISION SUPPORT

الدفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات المسيّرة

من اختيار الاستجابة إلى دراسة منظومة LIDS الأمريكية
مقال تحليلي يشرح دورة المواجهة من الكشف إلى تقويم النتيجة، وطبقات الاستجابة، واقتصاد الاعتراض، ودور القيادة والسيطرة والذكاء الاصطناعي، ثم تطبق المفاهيم على منظومة LIDS الأمريكية وسيناريو تطبيقي.
القسم الدراسات العسكرية – الدفاع الجوي – مكافحة الطائرات المسيّرة
التصنيف الموضوعي Counter-UAS, Layered Defense, LIDS, FAAD C2, KuRFS, Coyote
رقم المادة وتاريخ النشر ANALYSIS-2026-043
الإعداد والاتصال
منظومة LIDS الأمريكية لمكافحة الطائرات المسيّرة وتكامل رادار KuRFS مع المؤثر Coyote
منظومة LIDS الأمريكية نموذجًا لتكامل الاستشعار والقيادة والسيطرة ووسائل الاعتراض ضد الطائرات المسيّرة.
الاستشهاد المقترح الشريف، مصطفى كامل؛ جمعة، شيرين صادق. الدفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات المسيّرة: من اختيار الاستجابة إلى دراسة منظومة LIDS الأمريكية. iTach Denmark – ITSSC, 2026. ANALYSIS-2026-043.
قاعدة الاستناد تستند المادة إلى المصادر العلنية للشركات المصنّعة والقيادة المركزية الأمريكية، مع التمييز بين القدرات المعلنة ونتائج الاختبار والاستنتاجات التي تحتاج إلى بيانات إضافية.
نوع المنتجمقال تحليلي
الإصدارالنسخة التحريرية 1.0
تاريخ النشر9 أيلول 2026
نطاق التداولنشر عام
المنهجتحليل وظيفي ودراسة حالة وسيناريو تطبيقي
الغايةفهم اختيار الاستجابة وتقويم أداء منظومات مكافحة المسيّرات

المقدمة

السؤال المركزي هو: كيف تختار القوة المدافعة الاستجابة المناسبة للتهديد المناسب، في الوقت والمكان المناسبين، من دون إهدار الموارد أو التأخر في القرار أو تعريض القوات والمدنيين لخطر إضافي؟

نبدأ بحالة عملية. رصدت إحدى وسائل المراقبة جسماً جوياً صغيراً يقترب على ارتفاع منخفض من قاعدة عسكرية. تشير المعلومات الأولية إلى احتمال أن يكون طائرة مسيّرة، لكن هويته وحمولته والجهة التي تشغله لم تتحدد بعد. ما أول إجراء ينبغي اتخاذه؟

قبل اختيار وسيلة المواجهة نحتاج إلى التحقق من نوع الجسم وهويته ومساره وسرعته وارتفاعه، وتحديد الأصل الذي يقترب منه والزمن المتبقي، ومعرفة نمط التحكم والوسائل المتاحة والمخاطر الجانبية. قد يناسب التشويش طائرة تعتمد على رابط قيادة وتحكم، لكنه قد لا يحقق النتيجة ضد طائرة مستقلة أو مبرمجة مسبقاً. وقد يصبح الاعتراض الحركي ضرورياً عند قصر الزمن، لكنه قد يسبب خطراً من الحطام داخل المنطقة المحمية.

من هنا يظهر مفهوم الدفاع متعدد الطبقات، الذي يجمع المستشعرات والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية والطائرات الاعتراضية والمدافع والصواريخ والطاقة الموجهة والحماية السلبية. وتعمل هذه العناصر ضمن سلسلة تحول القياسات إلى صورة عملياتية، ثم إلى قرار واستجابة، قبل العودة إلى المستشعرات لتقويم النتيجة.

سنستخدم منظومة (LIDS) الأمريكية دراسة حالة لفهم هذا التكامل. ولا يعني اختيارها أنها بديل عن بقية الدفاع الجوي أو أنها توفر حماية مطلقة، بل تقدم مكوناتها المعلنة مثالاً مناسباً للعلاقة بين الكشف والقرار والمؤثر وتقويم نتيجة الاشتباك. وفي نهاية المقال نطبق المفاهيم على سيناريو تطبيقي يميز بين ما تثبته البيانات وما يمكن استنتاجه بشروط وما يحتاج إلى معلومات إضافية.

التحول في طبيعة تهديد الطائرات المسيّرة

لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد وسيلة للاستطلاع أو التصوير من الجو، بل أصبحت أداة متعددة الوظائف يمكن استخدامها في مراقبة المواقع، وتصحيح نيران المدفعية، ونقل الذخائر، وتنفيذ الهجمات المباشرة، واختبار استجابة الدفاعات واستنزافها. كما لم يعد امتلاك هذه القدرة مقتصراً على الجيوش المتقدمة. فقد أتاح الانتشار التجاري للطائرات المسيّرة ومكوناتها إمكانية تعديل منصات منخفضة الكلفة واستخدامها لأغراض عسكرية أو أمنية. ويمكن لطائرة صغيرة تحمل كاميرا أو ذخيرة محدودة أن تهدد موقعاً عسكرياً أو راداراً أو مستودعاً أو طائرة رابضة في المطار. وتكمن المشكلة الأولى في صعوبة اكتشاف بعض هذه الطائرات مبكراً.

فالطائرة الصغيرة تمتلك عادة مقطعاً رادارياً محدوداً، وقد تطير على ارتفاع منخفض، وتستفيد من المباني أو التضاريس، كما قد تتشابه بعض خصائص حركتها مع الطيور أو الأجسام الجوية الصغيرة. ولذلك قد يكتشف المستشعر جسماً، لكنه لا يستطيع من القياس الأول تحديد ماهيته أو هويته أو مستوى خطورته. وهنا يجب التمييز بين أربع مسائل: اكتشاف وجود جسم جوي. تعقب حركته والمحافظة على مساره. تصنيفه بوصفه طائرة مسيّرة أو طائراً أو جسماً آخر. تحديد ما إذا كان يمثل تهديداً يحتاج إلى استجابة. قد تنجح المنظومة في اكتشاف الجسم، لكنها لا تحصل فوراً على معلومات كافية لتحديد نيته أو حمولته أو الجهة التي تشغله. ولهذا لا ينبغي الانتقال من ظهور نقطة على شاشة الرادار إلى استخدام القوة من دون المرور بمراحل التحقق والتقييم. المشكلة الثانية هي قصر الزمن المتاح لاتخاذ القرار.

عندما تُكتشف الطائرة على مسافة قريبة من المنشأة، يصبح على منظومة الدفاع أن تنجز خلال وقت محدود عمليات التعقب والتصنيف وتقييم التهديد واختيار المؤثر والحصول على التفويض وتنفيذ الاستجابة. وكل تأخير في إحدى هذه المراحل يقلل الوقت المتاح للمراحل اللاحقة. ولهذا لا تُقاس كفاءة الدفاع بمدى الرادار أو سرعة المؤثر فقط، بل بالزمن الكلي الذي تحتاج إليه المنظومة للانتقال من أول اكتشاف إلى استجابة فعالة. أما المشكلة الثالثة فتتعلق بالكلفة. قد تكون كلفة الطائرة المهاجمة بضعة آلاف من الدولارات أو أقل، بينما تبلغ كلفة بعض وسائل الاعتراض أضعاف ذلك. لكن مقارنة ثمن الطائرة بثمن المؤثر الدفاعي وحدها قد تكون مضللة.

فإذا كانت الطائرة تهدد راداراً أو مركز قيادة أو مستودع ذخيرة أو طائرة عسكرية مرتفعة القيمة، فقد يكون استخدام مؤثر مرتفع الكلفة مبرراً. وفي المقابل، فإن استخدام الوسيلة نفسها بصورة متكررة ضد أعداد كبيرة من الأهداف المنخفضة الكلفة قد يؤدي إلى استنزاف الذخائر والموارد الدفاعية. وهذا يقودنا إلى المشكلة الرابعة، وهي الهجمات الكثيفة. قد يستخدم المهاجم عدة طائرات في وقت متقارب، وقد يخلط بين أهداف هجومية وأهداف خداعية لإرباك المستشعرات والمشغلين. وفي هذه الحالة لا تكمن الصعوبة في اكتشاف الأهداف فقط، وإنما في المحافظة على مساراتها، وتحديد الأخطر بينها، وتوزيع وسائل الاستجابة، والتأكد من عدم تخصيص أكثر من مؤثر للهدف نفسه، مع الاحتفاظ بقدرة كافية لمواجهة موجات لاحقة. إذن، يتميز تهديد الطائرات المسيّرة بخمس خصائص رئيسة: صعوبة الاكتشاف والتصنيف المبكر.

قصر الزمن المتاح لاتخاذ القرار. تنوع أساليب التحكم والملاحة. اختلال العلاقة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع. إمكانية استخدام أعداد كبيرة لإرباك الدفاعات واستنزافها. ومن هنا نستخلص أن الطائرة الصغيرة ليست بالضرورة تهديداً صغيراً، وأن خطورتها لا تتحدد بحجمها أو ثمنها فقط، بل بالحمولة والمسار والسلوك والهدف الذي تقترب منه والوقت المتاح لمواجهتها. لكن فهم طبيعة التهديد لا يكفي. يجب أن نعرف كيف تتحول المعلومة الأولية عن وجود جسم جوي إلى قرار دفاعي منظم. وهذا ما ننتقل إليه في القسم الثاني، وهو (دورة المواجهة من الاكتشاف إلى تقويم نتيجة الاشتباك).

دورة المواجهة من الاكتشاف إلى تقويم نتيجة الاشتباك

تتكون هذه الدورة من ثماني مراحل مترابطة: الكشف، والتعقب، والتعرف والتصنيف، وتقييم التهديد، وترتيب الأولويات، واختيار الاستجابة، وتنفيذ الاشتباك، ثم تقويم النتيجة وإعادة التقييم.

أولاً: الكشف (Detection)

يبدأ الكشف عندما يرصد أحد المستشعرات وجود جسم أو نشاط قد يرتبط بطائرة مسيّرة. وقد يأتي الكشف من رادار، أو كاميرا كهروبصرية أو حرارية، أو مستشعر للترددات الراديوية، أو مراقب بشري، أو منظومة أخرى تشارك معلوماتها مع مركز القيادة والسيطرة. لكن الكشف يعني وجود مؤشر يحتاج إلى الفحص، ولا يعني أن الجسم أصبح هدفاً مؤكداً. فقد يرصد الرادار جسماً صغيراً، لكن هذا الجسم قد يكون طائرة مسيّرة أو طائراً أو جسماً آخر. وقد يلتقط مستشعر الترددات إشارة تحكم، لكنه لا يحدد وحده الموقع الدقيق للطائرة أو نية مشغلها.

ثانياً: التعقب (Tracking)

بعد اكتشاف الجسم تبدأ مرحلة التعقب، وفيها تحاول المنظومة المحافظة على مساره وتحديث معلوماته بصورة مستمرة. يوفر التعقب بيانات مثل الموقع والاتجاه والسرعة والارتفاع وتغير السلوك مع مرور الوقت. وكلما استمر المسار وأصبحت بياناته أحدث، تحسنت قدرة المشغل على فهم ما يفعله الجسم. لكن فقدان المسار لا يعني بالضرورة أن الهدف دُمر أو غادر المنطقة. فقد ينتج ذلك عن حجب التضاريس أو انخفاض الارتفاع أو ضعف القياس أو انتقال المتابعة من مستشعر إلى آخر. لذلك يجب التعامل مع فقدان المسار بوصفه حالة تحتاج إلى تفسير، وليس نتيجة اشتباك مؤكدة.

ثالثاً: التعرف والتصنيف (Identification and Classification)

في هذه المرحلة تحاول المنظومة الإجابة عن سؤالين مختلفين:

ما نوع الجسم؟

ومن الجهة التي يعود إليها؟

قد تساعد خصائص الحركة والمقطع الراداري والصورة الكهروبصرية والإشارات الراديوية في تصنيف الجسم بوصفه طائرة مسيّرة. لكن تحديد أنه طائرة مسيّرة لا يعني تلقائياً معرفة هويتها أو مشغلها أو نيتها. فقد تكون الطائرة صديقة أو مأذونة، وقد تكون تجارية دخلت المنطقة بالخطأ، وقد تكون مجهولة، أو قد تظهر سلوكاً يدل على مهمة عدائية. ولهذا يجب عدم استخدام مصطلحات التصنيف وتحديد الهوية وتقييم النية بوصفها شيئاً واحداً.

رابعاً: تقييم التهديد (Threat Assessment)

بعد تكوين صورة أفضل عن الهدف تبدأ مرحلة تقييم مستوى خطورته. ولا يعتمد التقييم على قرب الهدف وحده، بل على مجموعة من المؤشرات، منها اتجاه الحركة، والسرعة، والارتفاع، والسلوك، والحمولة المحتملة، والمنطقة التي يقترب منها، والزمن المتبقي لوصوله إليها. فطائرة تتحرك بمحاذاة حدود القاعدة تختلف عن طائرة تتجه مباشرة نحو مركز القيادة. وطائرة تحوم بعيداً تختلف عن طائرة تنفذ هبوطاً سريعاً باتجاه مستودع ذخيرة. كما يجب مراعاة درجة الثقة بالمعلومات. فإذا كانت الهوية أو الحمولة غير مؤكدة، ينبغي أن يظهر هذا الشك أمام متخذ القرار، بدلاً من تقديم التقدير وكأنه حقيقة محسومة.

خامساً: ترتيب الأولويات (Prioritization)

عند وجود أكثر من هدف، لا تستطيع المنظومة التعامل معها جميعاً بالطريقة نفسها أو في اللحظة نفسها. لذلك يجب ترتيبها بحسب مستوى الخطر والزمن المتبقي والقدرات المتاحة. قد يكون الهدف الأقرب هو الأخطر، لكن ذلك ليس قاعدة ثابتة. فقد يكون هدف أبعد يتحرك بسرعة نحو رادار رئيس، بينما يتحرك الهدف الأقرب بعيداً عن المنشأة. ويجب أن يمنع نظام القيادة والسيطرة ازدواجية تخصيص المؤثرات، بحيث لا تستخدم عدة وسائل ضد هدف واحد، بينما يبقى هدف أخطر من دون استجابة.

سادساً: اختيار الاستجابة والتحقق من صلاحيتها (Response Selection)

بعد تحديد الأولوية، تنتقل المنظومة إلى اختيار وسيلة الاستجابة المناسبة. قد تكون الاستجابة استمرار المراقبة، أو إصدار تحذير، أو استخدام الحرب الإلكترونية، أو إطلاق طائرة اعتراضية، أو استخدام مدفع أو صاروخ أو وسيلة من وسائل الطاقة الموجهة. ولا يعتمد الاختيار على نوع الهدف وحده، بل يشمل الزمن المتاح، واحتمال النجاح، وقيمة الأصل المحمي، وقواعد الاشتباك، والمخاطر الجانبية، وحالة المؤثرات والذخائر. وقبل تنفيذ القرار يجب التأكد من أن الوسيلة المختارة جاهزة، وأنها ضمن المدى المناسب، وأن استخدامها مخول، وأن مجال الاشتباك لا يحتوي على طائرات صديقة أو مدنية قد تتعرض للخطر.

سابعاً: تنفيذ الاشتباك (Engagement)

في هذه المرحلة تنفذ الوسيلة المختارة التأثير المطلوب. لكن صدور أمر الاشتباك لا يعني أن المؤثر وصل إلى الهدف، ووصول المؤثر لا يعني أنه حقق النتيجة المطلوبة. ولذلك يجب الفصل بين تنفيذ الأمر، وعمل المؤثر، وتأثر الهدف، ونجاح مهمة الحماية. ويبقى استخدام القوة خاضعاً لقواعد الاشتباك ومستوى التفويض ودور الإنسان المخول. وقد توفر المنظومة توصيات آلية وتختصر زمن القرار، لكنها لا تلغي المسؤولية البشرية عن المصادقة على استخدام القوة.

ثامناً: تقويم النتيجة وإعادة التقييم (Effect Assessment and Reassessment)

لا تنتهي دورة المواجهة عند إطلاق المؤثر أو تشغيل جهاز التشويش. يجب أن تستمر المستشعرات في متابعة الهدف لتحديد ما إذا كان قد توقف أو غيّر مساره أو سقط أو استمر باتجاه المنطقة المحمية. فإذا استُخدم التشويش واستمرت الطائرة في الاقتراب، فإن حدوث تأثير في الرابط لا يعني نجاح الاستجابة عملياتياً. وإذا اختفى المسار من شاشة الرادار، فلا يجوز اعتبار الهدف مدمراً من دون أدلة إضافية. وإذا لم تحقق الاستجابة الأولى النتيجة المطلوبة، تعود المنظومة إلى تقييم الموقف، وتحدّث بيانات المسار، ثم تختار طبقة أخرى مخولة بدلاً من تكرار القرار السابق بصورة عمياء. إذن، دورة المواجهة ليست خطاً ينتهي عند الاشتباك، بل حلقة مستمرة تبدأ بالمعلومات، وتنتقل إلى القرار والاستجابة، ثم تعود إلى المعلومات للتأكد من النتيجة. والقاعدة الأساسية التي نخرج بها من هذا القسم هي:

لا يكفي أن نكتشف الهدف، بل يجب أن نفهمه. ولا يكفي أن نختار المؤثر، بل يجب أن نتحقق من صلاحيته. ولا يكفي أن ننفذ الاستجابة، بل يجب أن نتأكد من نتيجتها. بعد أن عرفنا دورة المواجهة، ننتقل إلى القسم الثالث لمعرفة الوسائل التي يمكن أن يختار منها القائد، وكيف تتوزع هذه الوسائل ضمن مفهوم (الدفاع متعدد الطبقات).

مفهوم الدفاع متعدد الطبقات وخريطة وسائل الاستجابة

ما الوسائل التي تستطيع القوة المدافعة استخدامها خلال هذه الدورة؟

قد يبدو الجواب بسيطاً، مثل التشويش أو المدافع أو الصواريخ. لكن مواجهة الطائرات المسيّرة لا تعتمد على وسيلة واحدة، لأن التهديدات تختلف في الحجم والسرعة والارتفاع ونمط التحكم والحمولة والعدد. ومن هنا يظهر مفهوم (الدفاع متعدد الطبقات). لا يعني الدفاع متعدد الطبقات وضع عدة أسلحة حول المنشأة فقط، بل يعني بناء قدرة تجمع بين الاستشعار والقيادة والسيطرة ووسائل الاستجابة والحماية السلبية، بحيث تعالج كل طبقة جانباً مختلفاً من التهديد، وتوفر طبقة أخرى بديلاً عندما تفشل الاستجابة الأولى أو لا تكون مناسبة. ويمكن تقسيم هذه المنظومة إلى خمس طبقات وظيفية رئيسة.

أولاً: طبقة الاستشعار

تشمل الرادارات، والمستشعرات الكهروبصرية والحرارية، ومستشعرات الترددات الراديوية، والمراقبة البشرية، والمعلومات الواردة من الوحدات أو المنظومات الأخرى. لا تنفذ هذه الطبقة الاعتراض، لكنها توفر المعلومات التي يقوم عليها القرار. وإذا كانت معلوماتها متأخرة أو غير دقيقة، فلن تستطيع بقية الطبقات تعويض الخطأ بسهولة. وقد يكتشف الرادار الجسم ويحدد مساره، بينما تساعد الكاميرا في التحقق من شكله، ويسهم مستشعر الترددات في رصد إشارات مرتبطة بالتحكم أو نقل البيانات. وتزداد قيمة هذه المستشعرات عندما تُدمج معلوماتها بصورة صحيحة، وليس بمجرد زيادة عددها.

ثانياً: طبقة القيادة والسيطرة (Command and Control)

تستقبل هذه الطبقة بيانات المستشعرات، وتدمج المسارات، وتعرض صورة الموقف، وتساعد في تقييم التهديد وترتيب الأولويات واختيار وسيلة الاستجابة. وتكمن أهميتها في منع كل مستشعر أو مؤثر من العمل بمعزل عن الآخر. فالرادار قد يرى الهدف، لكن وسيلة الاعتراض تحتاج إلى الحصول على مسار حديث ومعلومات كافية قبل بدء الاشتباك. كما يجب أن تعرف القيادة والسيطرة حالة كل وسيلة، وهل هي جاهزة، وما مداها، وما الموارد المتبقية لديها، ومن يملك صلاحية استخدامها.

ثالثاً: وسائل الاستجابة غير الحركية (Non Kinetic Effects)

تشمل هذه الفئة وسائل الحرب الإلكترونية التي تستهدف، بحسب طبيعة الهدف والمنظومة المستخدمة، روابط القيادة والسيطرة، أو نقل البيانات، أو بعض إشارات الملاحة. والغرض منها إحداث تأثير يمنع الطائرة من إكمال مهمتها من دون تدميرها مادياً بصورة مباشرة. لكن نتيجة التأثير تختلف من طائرة إلى أخرى. فقد تعود الطائرة إلى نقطة الإطلاق، أو تهبط، أو تثبت في موقعها، أو تستمر في تنفيذ مسار مبرمج مسبقاً. كما قد تعمل بعض الطائرات باستقلالية، أو من دون بث راديوي مفيد يمكن اكتشافه أو تعطيله. ولذلك لا يجوز افتراض أن التشويش سينجح ضد كل هدف، أو أن كل طائرة ستسقط بمجرد فقدان الاتصال. ويجب كذلك مراعاة أثر الحرب الإلكترونية في الاتصالات والملاحة والأنظمة الصديقة الموجودة داخل المنطقة.

رابعاً: وسائل الاستجابة الحركية (Kinetic Effects)

تعتمد هذه الوسائل على إحداث تأثير مادي في الهدف، وتشمل الطائرات الاعتراضية، والمدافع، والصواريخ، ووسائل الاعتراض المادية الأخرى. وقد تكون الطائرة الاعتراضية المتخصصة مناسبة لبعض الطائرات الصغيرة، بينما توفر المدافع طبقة قريبة وسريعة، وقد تُستخدم الصواريخ ضد أهداف أسرع أو أبعد أو أكثر خطورة. لكن استخدام وسيلة حركية يفرض أسئلة إضافية تتعلق بمكان سقوط الهدف أو حمولته، واتجاه الرمي، ووجود القوات والمدنيين والمنشآت الحساسة في المنطقة. ولهذا لا تقاس فاعلية الاعتراض بإصابة الطائرة فقط، بل بمدى نجاحه في حماية الأصل من دون التسبب في خطر جديد.

خامساً: الطاقة الموجهة (Directed Energy)

تشمل بصورة رئيسة الليزر عالي الطاقة (High Energy Laser) والميكروويف عالي القدرة (High Power Microwave). يستخدم الليزر طاقة مركزة للتأثير في هدف محدد، ويعتمد أداؤه على جودة التتبع وخط الرؤية والظروف الجوية والمسافة. أما الميكروويف عالي القدرة فيستهدف الإلكترونيات، وقد يوفر قدرة على التأثير في أكثر من هدف بحسب تصميم المنظومة والظروف التشغيلية. ولا ينبغي التعامل مع الليزر والميكروويف بوصفهما تقنية واحدة، كما لا ينبغي تقديم الطاقة الموجهة على أنها بديل كامل عن المدافع أو الصواريخ أو الحرب الإلكترونية. إنها طبقة إضافية تتوقف فائدتها على طبيعة المهمة ومستوى نضج المنظومة والظروف المحيطة. وإلى جانب هذه الطبقات توجد الحماية السلبية، وتشمل التحصين والتمويه وتوزيع الأصول وتقليل تجمع المعدات الحساسة وتوفير البدائل وخطط استمرارية العمل.

فإذا تمكنت طائرة من تجاوز طبقات الاعتراض، يمكن لإجراءات الحماية السلبية أن تقلل الضرر وتحافظ على استمرار المهمة. وتقدم المنظومات المختلفة أمثلة على توزيع هذه الطبقات. فهناك منظومات تعتمد على دفاع مدفعي شبكي مثل (Skynex)، ومنظومات مخصصة لحماية القوات المتحركة مثل (Skyranger) و(NOMADS)، ومنظومات تضيف الليزر مثل (Iron Beam)، أو الميكروويف عالي القدرة مثل (Leonidas). نذكر هذه المنظومات بوصفها أمثلة على اختلاف الوظائف، وليس بوصف إحداها الحل الأفضل في جميع الحالات. فالمنظومة المناسبة لحماية مطار أو منشأة ثابتة قد لا تكون مناسبة لحماية رتل عسكري يتحرك، والمنظومة المناسبة ضد طائرة تجارية معدلة قد لا تكفي ضد هدف سريع أو مستقل.

كما أن الدفاع متعدد الطبقات لا يعني وجود ترتيب ثابت يبدأ دائماً بالتشويش ثم ينتقل إلى الاعتراض الحركي. فقد لا يسمح الزمن بذلك، وقد يكون الهدف مستقلاً أو مقاوماً للتشويش، وقد يدخل المجال الحرج بسرعة تجعل الاعتراض الحركي ضرورياً منذ البداية. إذن، الطبقات ليست خطوات جامدة يجب تنفيذها بالترتيب، وإنما خيارات مترابطة تختار القيادة من بينها وفق الموقف. وإذا لم تحقق طبقة النتيجة المطلوبة، تستمر عملية التعقب ويعاد تقييم التهديد واختيار طبقة أخرى. وبعد أن رسمنا خريطة وسائل المواجهة، نصل إلى السؤال الأهم:

كيف نختار من بين هذه الطبقات المؤثر الأنسب، وكيف نوازن بين الفاعلية والكلفة والمخاطر واستمرار القدرة الدفاعية؟

هذا هو موضوع القسم الرابع، وهو (اختيار المؤثر المناسب واقتصاد الاعتراض).

اختيار المؤثر المناسب واقتصاد الاعتراض

بعد أن تعرفنا إلى طبقات الدفاع المختلفة، نصل إلى جوهر المقال:

كيف نختار المؤثر المناسب ضد هدف محدد؟

لا يبدأ القرار بالسؤال عن أقوى سلاح متاح، بل يبدأ بتحديد النتيجة العملياتية المطلوبة. هل نريد مراقبة الهدف؟ هل نريد منعه من دخول منطقة معينة؟ هل نريد إجباره على قطع المهمة؟ أم أن مستوى الخطر يفرض تحييده فوراً؟ ويقوم اختيار الاستجابة على ستة عوامل مترابطة.

أولاً: طبيعة التهديد

يجب تحديد ما نعرفه عن الهدف، وما لم نتأكد منه بعد. تشمل المعلومات المطلوبة نوع الطائرة وحجمها وسرعتها وارتفاعها ومسارها، ونمط التحكم المستخدم، واحتمال حملها لذخيرة أو مستشعر، وقدرتها على العمل بصورة مستقلة. إذا كانت الطائرة تعتمد على رابط قيادة وتحكم معروف، فقد تكون الحرب الإلكترونية خياراً مناسباً. أما إذا كانت مستقلة أو تتبع مساراً مبرمجاً، فقد يكون تأثير التشويش محدوداً، وتحتاج القوة إلى مؤثر آخر. كذلك تختلف الاستجابة ضد طائرة منفردة عن الاستجابة ضد مجموعة أهداف متزامنة. فالوسيلة الفعالة ضد هدف واحد قد لا تمتلك السعة أو سرعة إعادة الاشتباك اللازمة لمواجهة عدد كبير.

ثانياً: قيمة الأصل المحمي

لا يمكن تقييم كلفة الاعتراض من دون معرفة ما نحميه. قد تكون الطائرة المهاجمة منخفضة الكلفة، لكنها تتجه نحو رادار رئيس أو مستودع ذخيرة أو مركز قيادة أو طائرة رابضة في المطار. وفي هذه الحالة قد يكون استخدام مؤثر مرتفع الكلفة مبرراً إذا كان الضرر المتوقع من نجاح الهجوم أكبر بكثير من كلفة الاعتراض. أما إذا كانت الطائرة بعيدة عن الأصول الحساسة، ولم تظهر سلوكاً عدائياً، فقد يكون استمرار المراقبة أكثر ملاءمة من الاشتباك المباشر. لذلك يجب أن يرتبط تقييم التهديد بقيمة الأصل، وأهمية الوظيفة التي يؤديها، والنتائج التي قد تترتب على تعطله.

ثالثاً: الزمن المتاح

يعد الزمن من أكثر العوامل تأثيراً في اختيار المؤثر. قد تكون الحرب الإلكترونية مناسبة من الناحية الفنية، لكن المسافة المتبقية لا تسمح بانتظار نتيجة التشويش. وقد يكون أحد المؤثرات الحركية أكثر فاعلية، لكنه يحتاج إلى زمن للإطلاق والوصول إلى الهدف يفوق الزمن المتاح. ولهذا يجب حساب زمن وصول التهديد إلى الأصل المحمي، وزمن اتخاذ القرار، وزمن تجهيز المؤثر، وزمن وصوله إلى نقطة الاعتراض. ولا يكفي أن يقع الهدف ضمن المدى المعلن للوسيلة، بل يجب أن تتمكن الوسيلة من تحقيق الاعتراض قبل وصوله إلى المنطقة الحرجة.

رابعاً: الفاعلية المتوقعة

يجب اختيار المؤثر وفق احتمال نجاحه ضد نوع الهدف وفي الظروف الموجودة. تتأثر الحرب الإلكترونية بنمط التحكم والملاحة واستقلالية الطائرة. وتتأثر المدافع بدقة التعقب والمدى وطبيعة الذخيرة. ويتأثر الليزر بخط الرؤية والطقس وجودة تثبيت الشعاع على الهدف. أما الصواريخ والطائرات الاعتراضية فتختلف في سرعتها ومدياتها وآلية توجيهها وقدرتها على التعامل مع أنواع معينة من الأهداف. ولا توجد نسبة نجاح واحدة تصلح لجميع الظروف. فالنتائج المستخلصة من اختبار ميداني محدد لا تتحول تلقائياً إلى ضمان للأداء في بيئة مختلفة.

خامساً: المخاطر الجانبية

قد ينجح المؤثر في إصابة الطائرة، لكنه يسبب خطراً جديداً داخل المنطقة المحمية. فإسقاط طائرة تحمل ذخيرة فوق منشأة حساسة لا يضمن زوال الخطر، وقد يؤدي سقوط الحطام إلى إصابة الأفراد أو المعدات. كما قد يؤثر التشويش في الاتصالات والملاحة والأنظمة الصديقة، خصوصاً عندما تعمل عدة جهات في المجال نفسه. لذلك يجب أن يشمل القرار مكان الاعتراض المتوقع، واتجاه سقوط الهدف، وطبيعة المنطقة الواقعة تحته، ووجود طائرات صديقة أو مدنية. فالنتيجة المطلوبة ليست تدمير الطائرة فقط، بل حماية الأصل وتقليل الضرر الكلي.

سادساً: الموارد وقواعد الاشتباك

قبل اختيار المؤثر يجب معرفة حالته الفعلية، وليس مجرد وجوده ضمن تشكيل الوحدة.

  1. هل المؤثر جاهز؟

  2. هل يمتلك ذخيرة كافية؟

  3. هل يمكن استخدامه ضد أهداف أخرى بعد الاشتباك؟

  4. هل توجد وسيلة بديلة إذا فشل؟

  5. ومن يملك صلاحية إصدار أمر استخدامه؟

تخضع الاستجابة لقواعد الاشتباك ومستوى التفويض وطبيعة الموقع المحمي. وقد يكون المؤثر متاحاً تقنياً، لكن استخدامه غير مخول في تلك المرحلة أو داخل منطقة معينة. ومن هنا ننتقل إلى مفهوم (اقتصاد الاعتراض). يقصد باقتصاد الاعتراض دراسة العلاقة بين كلفة التهديد وكلفة الاستجابة وقيمة الأصل المحمي واحتمال النجاح وقدرة الدفاع على الاستمرار. وغالباً ما تستخدم عبارة (نسبة تبادل الكلفة) للمقارنة بين ثمن الطائرة المهاجمة وثمن المؤثر الدفاعي. فإذا بلغت كلفة الطائرة بضعة آلاف من الدولارات، بينما بلغت كلفة الصاروخ مئات الآلاف، تبدو النسبة في مصلحة المهاجم. لكن هذه المقارنة تبقى ناقصة لثلاثة أسباب. السبب الأول أن سعر المؤثر لا يمثل الكلفة الكاملة للاعتراض.

تشمل الكلفة أيضاً تشغيل المستشعرات ومنظومة القيادة والسيطرة، ونشر الأطقم، والصيانة، والتدريب، والنقل، وحماية الموقع، وتجديد الذخائر، واستعادة الجاهزية بعد الاشتباك. السبب الثاني أن قيمة الهدف المهاجم ليست معيار القرار الوحيد. فقد تكون الطائرة رخيصة، لكن الضرر الذي قد تسببه مرتفعاً جداً. السبب الثالث أن الدفاع لا يتعامل مع الاشتباك بوصفه حدثاً منفرداً. فقد يكون الهجوم الأول جزءاً من خطة استنزاف تهدف إلى دفع القوة لاستهلاك مؤثراتها الأغلى، ثم مهاجمتها بأهداف أخطر بعد انخفاض مخزونها. لذلك يجب أن نسأل بعد كل قرار:

  1. كم مؤثراً بقي لدينا؟

  2. كم هدفاً نستطيع التعامل معه قبل الحاجة إلى إعادة التذخير؟

  3. ما زمن استعادة الجاهزية؟

  4. هل نستخدم الآن الوسيلة الوحيدة القادرة على مواجهة تهديد قد يظهر لاحقاً؟

وتظهر أهمية هذه الأسئلة في الهجمات الكثيفة. فقد تمتلك المنظومة راداراً يستطيع تعقب عشرات الأهداف، لكن عدد قنوات الاشتباك أو القواذف أو الذخائر المتاحة قد يكون أقل بكثير. ولهذا يجب التمييز بين سعة الاستشعار وسعة الاشتباك واستدامة الدفاع. كما توجد كلفة غير مباشرة للإنذارات الكاذبة أو غير المؤكدة. فكل إنذار قد يستدعي تشغيل معدات إضافية أو رفع حالة التأهب أو تحريك الأطقم أو تعليق نشاط داخل المنشأة. وإذا تكررت الإنذارات بصورة كبيرة، فقد تسبب إرهاق المشغلين واستهلاك الموارد وانخفاض الثقة بالمنظومة.

وتقدم الطاقة الموجهة ميزة محتملة تتمثل في انخفاض كلفة الاستخدام مقارنة ببعض المؤثرات التقليدية، ما دامت الطاقة والتجهيزات متاحة. لكن انخفاض كلفة الاستخدام لا يلغي كلفة اقتناء المنظومة وتشغيلها وصيانتها، ولا يزيل القيود المتعلقة بالطقس أو خط الرؤية أو السعة الحرارية أو طبيعة الهدف. إذن، لا يعني اقتصاد الاعتراض اختيار الوسيلة الأرخص، وإنما اختيار الاستجابة التي تحقق مستوى الحماية المطلوب بأفضل استخدام ممكن للموارد، مع الاحتفاظ بقدرة كافية لمواجهة التهديدات اللاحقة. ويمكن تلخيص قرار اختيار المؤثر في أربعة أسئلة:

  1. ما النتيجة التي نريد تحقيقها؟

  2. ما الوسائل القادرة على تحقيقها في الوقت المتاح؟

  3. ما المخاطر والكلفة المترتبة على كل خيار؟

  4. كيف سيؤثر القرار في استمرار قدرتنا الدفاعية؟

ولا يستطيع المشغل الإجابة عن هذه الأسئلة بسرعة إذا كانت بيانات المستشعرات وحالة المؤثرات موزعة بين أنظمة منفصلة. ولهذا نحتاج إلى منظومة قيادة وسيطرة تجمع المعلومات وتعرض الخيارات وتدعم القرار. وهذا يقودنا إلى القسم الخامس، وهو (القيادة والسيطرة ودعم القرار بالذكاء الاصطناعي).

القيادة والسيطرة ودعم القرار بالذكاء الاصطناعي

ناقشنا في القسم السابق العوامل التي تتحكم في اختيار المؤثر، مثل طبيعة الهدف والزمن والفاعلية والمخاطر والكلفة والموارد المتاحة. لكن هذه العوامل لا تكون موجودة أمام القائد في تقرير واحد جاهز. فهي تأتي من مستشعرات ووحدات وأنظمة مختلفة، وقد تصل في أوقات متفاوتة وبدرجات مختلفة من الثقة. وهنا يظهر دور منظومة القيادة والسيطرة C2(Command and Control). تستقبل منظومة القيادة والسيطرة بيانات الرادارات والمستشعرات الكهروبصرية والحرارية ومستشعرات الترددات وغيرها من مصادر المعلومات. كما تستقبل بيانات عن حالة المؤثرات والقواذف والذخائر ووسائل الحرب الإلكترونية. لكن استقبال البيانات لا يعني أن المنظومة فهمت الموقف. يجب التمييز بين تجميع البيانات ودمجها.

تجميع البيانات يعني عرض التقارير الواردة من المصادر المختلفة. أما دمج البيانات (Data Fusion) فيعني تحليل هذه التقارير وربط ما يعود منها إلى الجسم نفسه، وتقليل ازدواجية المسارات، وتحديث معلومات الهدف، وإظهار مواضع الاتفاق أو التعارض بين المصادر. فعندما يرصد الرادار جسماً، وتكتشف الكاميرا جسماً في المنطقة نفسها، ويلتقط مستشعر الترددات إشارة محتملة، يجب تحديد ما إذا كانت هذه البيانات تتعلق بطائرة واحدة أم بعدة أجسام أو أحداث منفصلة. وإذا سجلت المنظومة الهدف نفسه بوصفه ثلاث مسارات مستقلة، فقد تبالغ في تقدير عدد التهديدات أو تخصص أكثر من مؤثر للهدف نفسه. أما إذا دمجت مسارين مختلفين بصورة خاطئة، فقد تفقد هدفاً حقيقياً من الصورة العملياتية. لذلك لا تتوقف جودة القيادة والسيطرة على كمية البيانات، بل تعتمد على صحة ربطها وحداثتها ووضوح مصدرها ودرجة الثقة بها.

والنتيجة المطلوبة هي بناء صورة تشغيلية مشتركة للموقف (Common Operational Picture). تسمح هذه الصورة للقائد والمشغلين برؤية الأهداف ومساراتها وتصنيفاتها ودرجة خطورتها، إلى جانب حالة وسائل الاستجابة المتاحة. ويجب أن توضح الصورة ما نعرفه بصورة مؤكدة، وما يمثل تقديراً، وما يزال مجهولاً. فإذا كان تصنيف الهدف غير مؤكد، ينبغي ألا يظهر بالطريقة نفسها التي يظهر بها هدف جرى التعرف عليه من عدة مصادر مستقلة. بعد ذلك تساعد منظومة القيادة والسيطرة في ترتيب الأولويات وتخصيص وسائل الاستجابة. فهي تستطيع مقارنة الزمن المتبقي لوصول كل هدف، وقيمة الأصل الذي يقترب منه، والوسائل الواقعة ضمن المدى، وحالة الذخائر، واحتمال نجاح كل مؤثر، والقيود المفروضة بقواعد الاشتباك. لكن يجب التمييز بين دعم القرار واتخاذ القرار.

قد تعرض المنظومة خيارات مرتبة، أو تحذر من اقتراب هدف، أو تبين أن مؤثراً معيناً خارج المدى أو غير جاهز. وقد تسمح بدرجات مختلفة من الأتمتة في معالجة البيانات وتمرير الأوامر. أما استخدام القوة فيبقى مرتبطاً بالصلاحيات وقواعد الاشتباك ودور الإنسان المخول. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence). يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل الأنماط، وتمييز بعض الأهداف، واكتشاف السلوك غير المعتاد، ومقارنة خيارات الاستجابة، وترتيب كميات كبيرة من المعلومات بما يقلل العبء على المشغل. وقد تستخدم بعض الوظائف نماذج تنبؤية لتقدير مسار الهدف أو زمن وصوله أو مستوى الخطر. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمكن أن يساعد في تلخيص المعلومات أو تنظيم التقارير، لكنه لا ينبغي أن يكون مصدراً مستقلاً للحقائق العملياتية أو بديلاً عن البيانات الأصلية.

والقاعدة التحليلية هنا هي: الذكاء الاصطناعي يقارن وينظم ويوصي، بينما يتخذ الإنسان المخول القرار. لكن توصية النظام لا تكون صحيحة لمجرد أنها صادرة عن خوارزمية. فقد تتأثر النتيجة ببيانات ناقصة أو قديمة، أو بتصنيف خاطئ، أو بدمج غير صحيح للمسارات، أو بنموذج لم يختبر في الظروف التشغيلية نفسها. كما أن مستوى الثقة الذي يظهره النظام لا يعني تلقائياً احتمال صحة التقدير، ما لم نعرف كيف حُسب هذا المستوى وعلى أي بيانات بُني. لذلك ينبغي أن يستطيع المشغل طرح ثلاثة أسئلة:

  1. لماذا رتب النظام هذا الهدف بوصفه الأعلى خطورة؟

  2. لماذا أوصى بهذا المؤثر دون غيره؟

  3. ما الذي سيتغير إذا كانت إحدى البيانات الرئيسة خاطئة أو غير متاحة؟

وكلما زاد تأثير الخوارزمية في القرار، ازدادت الحاجة إلى قابلية تفسير نتائجها وتوثيق البيانات التي اعتمدت عليها. كما تعتمد منظومة القيادة والسيطرة على أمن المعلومات وسلامة البيانات. فإذا تعرض مسار هدف للتلاعب، أو وصلت بيانات قديمة وكأنها حديثة، أو تغيرت حالة مؤثر من دون تحديث الصورة التشغيلية، فقد تتخذ القيادة قراراً صحيحاً منطقياً لكنه مبني على معلومات خاطئة. ولهذا تشمل حماية المنظومة ضبط صلاحيات المستخدمين، وحماية الاتصالات، وتسجيل الأحداث والقرارات، والتحقق من تحديثات البرمجيات، والمحافظة على القدرة على العمل عند تعطل جزء من الشبكة. وسنرى في القسم التطبيقي أن منظومة (LIDS) تستخدم منظومة القيادة والسيطرة (FAAD C2) لربط المستشعرات بوسائل الاستجابة.

لكن يجب ألا ننسب إلى (FAAD C2) وظائف محددة للذكاء الاصطناعي من دون دليل علني واضح. فالمصادر المتاحة تثبت وظائف القيادة والسيطرة وإدارة المسارات وتنسيق الاشتباك، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بنوع النماذج الخوارزمية المستخدمة أو مستوى استقلالها. والخلاصة أن منظومة القيادة والسيطرة تحول الأجهزة المتفرقة إلى قدرة دفاعية مترابطة. وهي تختصر زمن انتقال المعلومات، وتساعد في ترتيب التهديدات واختيار المؤثرات، لكنها لا تعوض ضعف المستشعرات، ولا تصحح تلقائياً البيانات الخاطئة، ولا تلغي مسؤولية الإنسان عن القرار. وبهذا نكون يكتمل بذلك الإطار العام للمقال. وننتقل الآن إلى القسم التطبيقي لنعرف لماذا طوّر الجيش الأمريكي منظومة (LIDS)، وكيف جسدت هذه المنظومة مفهوم الدفاع المتكامل ضد الطائرات المسيّرة الصغيرة.

لماذا طوّر الجيش الأمريكي منظومة (LIDS)؟

يشير الاختصار (LIDS) إلى:

(Low Slow Small Unmanned Aircraft Integrated Defeat System)

ويمكن ترجمته إلى: (النظام المتكامل لهزيمة الطائرات غير المأهولة المنخفضة والبطيئة والصغيرة). ويصف الاسم طبيعة التهديد الذي صُممت المنظومة للتعامل معه. فهي تركز بصورة رئيسة على الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تطير على ارتفاعات منخفضة وبسرعات محدودة، وقد يصعب على منظومات الدفاع الجوي التقليدية اكتشافها وتصنيفها والتعامل معها بكفاءة اقتصادية وعملياتية.

لكن لماذا احتاج الجيش الأمريكي إلى منظومة متخصصة مثل (LIDS)؟

تطورت معظم منظومات الدفاع الجوي التقليدية لمواجهة الطائرات القتالية والمروحيات والصواريخ وغيرها من الأهداف التي تمتلك عادة خصائص أوضح من حيث السرعة والارتفاع والمقطع الراداري. أما الطائرات المسيّرة الصغيرة، فقد تطير قرب سطح الأرض، وتستفيد من التضاريس والمباني، وقد تشبه الطيور أو الأجسام الجوية الصغيرة في بعض خصائصها. كما يمكن استخدامها بصورة منفردة أو بأعداد متعددة، ويمكن تعديل الطائرات التجارية منها لتؤدي مهام الاستطلاع أو تصحيح النيران أو حمل ذخائر محدودة. ولهذا لا تكمن المشكلة في إسقاط الطائرة فقط. تبدأ المشكلة باكتشاف جسم صغير، ثم المحافظة على مساره، والتمييز بينه وبين الأجسام غير المعادية، وتحديد ما إذا كان يشكل تهديداً، ثم اختيار وسيلة اعتراض تتناسب معه.

كما أن استخدام صاروخ دفاع جوي تقليدي مرتفع الكلفة ضد كل طائرة صغيرة قد يحقق اعتراضاً ناجحاً، لكنه لا يقدم حلاً مستداماً عندما تتكرر الهجمات أو تستخدم أعداد كبيرة من المسيّرات منخفضة الكلفة. من هنا جاءت الحاجة إلى قدرة متخصصة تربط عدة وظائف ضمن منظومة واحدة. ولا ينبغي فهم (LIDS) بوصفها سلاحاً منفرداً أو مركبة محددة. فهي منظومة أنظمة (System of Systems)، أي أنها تجمع مكونات متخصصة يؤدي كل منها وظيفة معينة، ثم تربطها ضمن معمارية تشغيلية مشتركة. تتكون هذه المعمارية في صورتها العامة من أربع طبقات رئيسة. الطبقة الأولى هي الاستشعار، وتضم الرادارات وغيرها من وسائل الكشف والتعقب والتحقق. الطبقة الثانية هي القيادة والسيطرة، التي تستقبل بيانات المستشعرات وتدمج المسارات وتعرض صورة الموقف وتنسق اختيار الاستجابة.

الطبقة الثالثة هي المؤثرات، وتشمل وسائل حركية وغير حركية بحسب التجهيز والمهمة. أما الطبقة الرابعة فتشمل الاتصالات والدعم والصيانة والإمداد والتدريب، وهي التي تسمح للمكونات بالعمل بوصفها قدرة مستمرة وليست عرضاً تقنياً مؤقتاً. ويمكن تبسيط عمل المنظومة على النحو الآتي: يرصد المستشعر الجسم، وتنتقل بياناته إلى القيادة والسيطرة، ثم يجري تقييمه وترتيب خطورته، وبعد ذلك يختار المؤثر المناسب، وتستمر المستشعرات في المتابعة لتقويم النتيجة. وهذا يعني أن الرادار لا يختار السلاح من تلقاء نفسه، وأن المؤثر لا يعمل بمعزل عن معلومات المسار، وأن منظومة القيادة والسيطرة لا تصنع الحقيقة من دون بيانات موثوقة.

وتضم منظومة (LIDS) مكونات من عدة شركات متخصصة. ومن أبرز المكونات التي تظهر في المصادر العلنية رادار (KuRFS) وعائلة مؤثرات (Coyote) المرتبطة بشركة (Raytheon)، ومنظومة القيادة والسيطرة (FAAD C2) التابعة لشركة (Northrop Grumman)، إلى جانب قدرات للاستشعار والحرب الإلكترونية وتحديد الاتجاه ترتبط بتجهيزات من شركة (SRC). وتكمن أهمية هذا التعدد في أن المنظومة لا تعتمد على شركة واحدة أو جهاز واحد لأداء جميع الوظائف. لكنه يفرض في الوقت نفسه الحاجة إلى هندسة تكامل دقيقة واختبارات للتأكد من أن البيانات والأوامر تنتقل بين المكونات بصورة صحيحة وآمنة وفي الوقت المناسب. كما يجب الانتباه إلى أن اسم (LIDS) لا يشير بالضرورة إلى تشكيل متطابق في جميع المواقع والنسخ.

قد تختلف المكونات بحسب المهمة والجهة المستخدمة والعقد ومرحلة التطوير. وقد تحصل إحدى النسخ على مستشعر أو مؤثر أو قدرة حرب إلكترونية لا تكون موجودة بالطريقة نفسها في نسخة أخرى. ولهذا لا يجوز جمع كل قدرة نُشرت عن أحد مكونات عائلة (LIDS)، ثم نسبتها تلقائياً إلى كل منظومة تحمل الاسم نفسه. فعند تقييم أي تشكيل يجب أن نسأل:

  1. ما النسخة التي نتحدث عنها؟

  2. ما المكونات المركبة فيها فعلياً؟

  3. ما تحديثات البرمجيات والتجهيزات التي حصلت عليها؟

  4. وما الوظائف التي اختُبرت معاً ضمن ذلك التشكيل؟

أما موقع (LIDS) داخل الدفاع الجوي، فيجب تفسيره بدقة. لا تمثل المنظومة بديلاً عن منظومات الدفاع الجوي بعيدة أو متوسطة المدى، ولا يمكن مقارنتها مباشرة بمنظومة مثل (Patriot)، لأن لكل منهما ملف تهديد ومهمة مختلفة. تركز (LIDS) على مكافحة الطائرات المسيّرة المنخفضة والبطيئة والصغيرة، وحماية المواقع والقوات ضمن نطاق المهمة المخصصة لها. أما منظومات الدفاع الجوي الأوسع فتواجه فئات أخرى من التهديدات الجوية وبمديات وارتفاعات وخصائص مختلفة. لذلك تعمل (LIDS) بوصفها إحدى طبقات الدفاع، ويمكن أن تكمل طبقات الإنذار المبكر والدفاع الجوي القصير والمتوسط والبعيد، إضافة إلى الحماية السلبية والإجراءات الأمنية حول المنشأة.

كما يمكن أن توجد منظومة (LIDS) في تشكيل مخصص لحماية موقع ثابت، أو ضمن تشكيل متحرك يرافق القوات. لكن النسخة المتحركة لا تعني بالضرورة أن جميع وظائفها تعمل بالكفاءة نفسها أثناء حركة المركبة. فهناك فرق بين قابلية نقل المنظومة، وسرعة إعادة انتشارها، وقدرتها على العمل الفعلي أثناء الحركة. وسنعود إلى هذه الفروق عند دراسة تشكيلات المنظومة. وتصلح (LIDS) بوصفها دراسة حالة لسبب مهم، وهو أنها تجسد المفاهيم التي ناقشناها في القسم الأول من المقال. فهي تبدأ من مشكلة اكتشاف الأهداف الصغيرة، ثم تربط المعلومات بمنظومة قيادة وسيطرة، وتوفر خيارات استجابة متعددة، وتحاول تقليل الزمن بين الكشف والقرار والاشتباك، مع استمرار الحاجة إلى تقويم النتيجة.

لكن دراسة المنظومة يجب أن تستند إلى ما تثبته المصادر العلنية، مع التمييز بين وصف الشركة المصنعة ونتائج الاختبارات والتشغيل الفعلي. فإذا أعلن اختبار أن الرادار تعقب عدداً كبيراً من الأهداف، فإن ذلك يثبت قدرة معلنة على التعقب ضمن ظروف الاختبار، لكنه لا يثبت أن المنظومة اعترضت جميع تلك الأهداف في وقت واحد. وإذا ظهرت عدة مكونات في صورة واحدة، فلا يعني ذلك بالضرورة أنها اختُبرت جميعاً في التوقيت والتشكيل نفسيهما. إذن، يمثل (LIDS) نموذجاً عملياً لفهم الدفاع متعدد الطبقات، لكنه لا يمثل حلاً مطلقاً، ولا يعمل بمعزل عن بقية الدفاع الجوي والاستخبارات والحماية السلبية. وبعد أن عرفنا سبب تطوير المنظومة وموقعها، نبدأ بدراسة أول عناصرها، وهو طبقة الاستشعار، مع التركيز على رادار (KuRFS) وكيفية اكتشاف الأهداف الصغيرة وتعقبها وحدود تفسير القدرات المعلنة.

الاستشعار في منظومة (LIDS) ورادار (KuRFS)

تبدأ فاعلية أي منظومة دفاعية من قدرتها على اكتشاف الهدف مبكراً والمحافظة على مسار موثوق له. وفي منظومة (LIDS) يؤدي رادار (KuRFS) دوراً رئيساً في كشف الأهداف الصغيرة وتعقبها. يشير الاختصار (KuRFS) إلى منظومة استشعار تعمل في النطاق الترددي (Ku)، وتستخدم تقنية المصفوفة الممسوحة إلكترونياً النشطة (AESA). تسمح هذه التقنية بتوجيه حزمة الرادار إلكترونياً، ومتابعة عدة مسارات بسرعة، من دون الاعتماد على الدوران الميكانيكي التقليدي للهوائي في كل عملية مسح. ويمكن ترتيب وحدات الرادار ضمن تشكيل يوفر تغطية محيطية حول الموقع المحمي. لكن عبارة تغطية (360 درجة) تصف الاتجاهات التي يستطيع التشكيل مراقبتها، ولا تعني أن الأداء متساو في كل اتجاه أو ارتفاع أو ظرف.

وتتمثل أهمية العمل في النطاق (Ku) في القدرة على توفير قياسات دقيقة تساعد في اكتشاف الأهداف الصغيرة وتعقبها. ومع ذلك، لا يتحدد الأداء باسم النطاق الترددي وحده، بل يتأثر بقدرة الإرسال، وتصميم الهوائي، ومعالجة الإشارة، وارتفاع الهدف، والتضاريس، والطقس، والفوضى الرادارية. ومن المفاهيم المهمة هنا (المقطع الراداري)، وهو مقياس يعبّر عن مقدار الطاقة الرادارية التي يعكسها الجسم باتجاه الرادار. ولا يرتبط هذا المقطع بحجم الجسم وحده، بل يتأثر بشكله ومواده وزاوية مواجهته للرادار وتردده المستخدم. ولهذا قد يكون اكتشاف طائرة مسيّرة صغيرة أكثر صعوبة من اكتشاف طائرة كبيرة، خصوصاً عندما تطير على ارتفاع منخفض وبين المباني أو بالقرب من سطح الأرض.

لكن رصد انعكاس راداري لا يكفي لتحديد نوع الجسم. يجب أن تبني المنظومة مساراً، وتقارن سرعته وارتفاعه واتجاهه ونمط حركته، ثم تستعين بمصادر أخرى عند الحاجة. وهنا نعود إلى الفرق بين أربع وظائف: الكشف يثبت وجود مؤشر. التعقب يحافظ على مسار الجسم. التصنيف يقدّر الفئة التي ينتمي إليها. أما تحديد الهوية، فيحتاج إلى معلومات إضافية عن الجسم أو الجهة التي تشغله. وقد تساعد خوارزميات المعالجة في التمييز بين الطائرات المسيّرة والطيور، لكن القول إن الرادار يخفض الإنذارات الكاذبة أدق من القول إنه يلغيها تماماً. فالبيئة الحقيقية تحتوي على طيور ومركبات وأجسام متحركة وانعكاسات من المباني والتضاريس.

ولهذا تظهر أهمية دمج بيانات الرادار مع الكاميرات الكهروبصرية والحرارية ومستشعرات الترددات. فكل مستشعر يقدم نوعاً مختلفاً من المعلومات، ولا يستطيع مصدر منفرد حسم جميع خصائص الهدف في كل الظروف. كما يجب أن تكون بيانات المسار حديثة بما يكفي لتوجيه الاستجابة. فالمسار الذي كان صحيحاً قبل عدة ثوان قد يصبح غير مناسب إذا غيرت الطائرة سرعتها أو اتجاهها. وعند تقييم قدرة الرادار على التعامل مع عدة أهداف، يجب التمييز بين عدد الأهداف التي يستطيع اكتشافها، وعدد المسارات التي يستطيع المحافظة عليها، وعدد الأهداف التي تستطيع المنظومة الكاملة الاشتباك معها. قد ينجح الرادار في تعقب عدد كبير من المسيّرات، بينما تبقى قدرة الاشتباك محدودة بعدد المؤثرات والقواذف وقنوات إدارة النيران والزمن المطلوب لكل اعتراض.

وتستمر وظيفة الرادار بعد استخدام المؤثر. فهو يواصل مراقبة الهدف للمساعدة في معرفة ما إذا تغير مساره أو توقف أو استمر في الاقتراب. لكن اختفاء المسار لا يثبت وحده تدمير الهدف، فقد ينتج عن انخفاضه خلف عائق أو خروجه من مجال الرؤية أو تراجع جودة القياس. لذلك تُدمج بيانات الرادار مع الأدلة الواردة من بقية المستشعرات لتقويم نتيجة الاشتباك. إذن، لا تكمن قيمة (KuRFS) في اكتشاف نقطة صغيرة على الشاشة فقط، بل في إنتاج مسار حديث يمكن أن تنتقل بياناته إلى منظومة القيادة والسيطرة، ثم إلى وسيلة الاستجابة المناسبة. وهذا يقودنا إلى القسم الثامن، الذي يشرح كيف تربط منظومة (FAAD C2) معلومات المستشعرات بعائلة مؤثرات (Coyote)، وكيف تختلف تشكيلات (LIDS) الثابتة والمتحركة.

منظومة (FAAD C2) وعائلة (Coyote) وتشكيلات (LIDS)

تعرفنا في القسم السابق إلى دور رادار (KuRFS) في اكتشاف الأهداف الصغيرة وتعقبها. لكن بيانات الرادار لا تتحول وحدها إلى استجابة. يجب أن تنتقل إلى منظومة تجمع المعلومات وتعرضها أمام المشغل وتربطها بالمؤثر المناسب. وفي منظومة (LIDS) تؤدي منظومة (FAAD C2) هذا الدور. يشير الاختصار إلى:

(Forward Area Air Defense Command and Control)

وهي منظومة قيادة وسيطرة للدفاع الجوي في المنطقة الأمامية، طورتها شركة (Northrop Grumman)، وتستخدم لربط المستشعرات ومنظومات الدفاع ووسائل الاعتراض ضمن صورة تشغيلية مشتركة. وتتمثل وظيفتها في استقبال بيانات الرادارات والمستشعرات، ودمج المسارات، وعرض الأهداف أمام المشغل، والمساعدة في تقييم التهديدات وترتيبها، ثم تنسيق تخصيص وسائل الاستجابة. ولتوضيح ذلك، نفترض أن رادار (KuRFS) اكتشف ثلاثة أجسام صغيرة تقترب من موقع عسكري. يرسل الرادار بيانات كل جسم إلى منظومة (FAAD C2)، بما في ذلك الموقع والاتجاه والسرعة والارتفاع وتحديثات المسار. وقد تصل في الوقت نفسه معلومات من كاميرا كهروبصرية أو حرارية، أو من مستشعر للترددات الراديوية. تعمل منظومة القيادة والسيطرة على ربط التقارير التي تعود إلى الجسم نفسه، وتمنع تكرار المسارات، ثم تعرض صورة الموقف أمام المشغل.

لا تكتفي المنظومة بعرض مواقع الأهداف، بل تعرض أيضاً حالة وسائل الاستجابة. فقد يكون أحد القواذف جاهزاً، بينما يحتاج آخر إلى إعادة التذخير، وقد تكون إحدى وسائل الحرب الإلكترونية واقعة ضمن النطاق المناسب، بينما يكون مؤثر آخر خارج المدى. وعلى أساس هذه الصورة يستطيع المشغل معرفة الأهداف الأعلى خطورة، والمؤثرات المتاحة، والوقت المتبقي لاتخاذ القرار. لكن يجب عدم وصف (FAAD C2) بأنها منظومة تدمر الأهداف تلقائياً من دون تدخل بشري. فهي توفر وظائف القيادة والسيطرة وإدارة المسارات وتنسيق الاشتباك، وقد تستخدم درجات مختلفة من الأتمتة، لكن قرار استخدام القوة يبقى مرتبطاً بقواعد الاشتباك ومستوى التفويض ودور الإنسان المخول.

وإذا تغير مسار الهدف أو تعطلت إحدى الوسائل، يجب أن تعكس الصورة التشغيلية هذا التغير بسرعة. فالقرار الذي كان مناسباً قبل لحظات قد يصبح غير مناسب بعد انخفاض الزمن المتبقي أو خروج المؤثر من حالة الجاهزية. بعد اختيار الاستجابة، تنتقل الأوامر والبيانات إلى المؤثر المناسب. ومن أبرز المؤثرات المرتبطة بمنظومة (LIDS) عائلة (Coyote). ولا ينبغي التعامل مع اسم (Coyote) وكأنه يشير إلى مؤثر واحد متطابق، لأن العائلة تضم نسخاً تؤدي وظائف مختلفة. من أبرزها (Coyote Block 2)، وهو مؤثر اعتراضي حركي مخصص لمواجهة الطائرات المسيّرة، ويستخدم تأثيراً مادياً لتحييد الهدف. يمثل هذا المؤثر بديلاً متخصصاً عن استخدام صاروخ دفاع جوي تقليدي مرتفع الكلفة ضد بعض فئات المسيّرات الصغيرة. وتساعده بيانات المستشعرات ومنظومة القيادة والسيطرة في الوصول إلى منطقة الهدف وتنفيذ الاعتراض.

لكن وجود المؤثر ضمن المدى لا يكفي وحده لإطلاقه. يجب التحقق من جودة المسار، والوقت المتاح، واحتمال النجاح، ومكان الاعتراض، والمخاطر الناتجة عن سقوط الهدف أو حمولته. أما (Coyote Block 3NK)، فيمثل خياراً غير حركي داخل عائلة (Coyote). ويهدف إلى تحقيق تأثير غير حركي في الطائرات المسيّرة، بما يضيف طبقة مختلفة عن الاعتراض المادي الذي ينفذه (Coyote Block 2). وتكمن أهمية وجود الخيارين في أن منظومة (LIDS) لا تعتمد على مؤثر واحد لجميع الأهداف. فقد تختار القيادة مؤثراً حركياً ضد هدف مستقل أو سريع الاقتراب، وقد تستخدم وسيلة غير حركية عندما تتناسب آلية تأثيرها مع طبيعة التهديد والظروف التشغيلية.

لكن لا يجوز القول إن المؤثر غير الحركي يسبق المؤثر الحركي دائماً. فقد لا يسمح الزمن بتجربة أكثر من استجابة، وقد يكون الهدف مقاوماً للتأثير الإلكتروني أو دخل المنطقة الحرجة بسرعة. كما قد تضم بعض تشكيلات (LIDS) قدرات للحرب الإلكترونية تقدمها تجهيزات مرتبطة بشركة (SRC)، ويمكن أن تستهدف روابط الاتصال أو الملاحة أو وظائف إلكترونية أخرى بحسب نوع التجهيز والهدف. وهنا يجب التفريق بين ثلاثة مفاهيم: التشويش يعني إضعاف إشارة أو خدمة يعتمد عليها الهدف. الاستيلاء على التحكم يعني القدرة على توجيه الطائرة أو تغيير أوامرها. أما التحييد فيعني منع الهدف من إكمال مهمته وفق معيار عملياتي محدد. ولا يثبت حدوث التشويش أن القوة سيطرت على الطائرة، كما لا يثبت انقطاع الإشارة أن التهديد انتهى. يجب متابعة سلوك الهدف والتأكد من النتيجة.

وبعد تنفيذ الاستجابة تعود البيانات إلى منظومة (FAAD C2). فإذا استمر الهدف في الحركة، أو لم تتضح نتيجة الاشتباك، تعرض المنظومة الحاجة إلى إعادة التقييم أو استخدام مؤثر آخر. وهكذا تعمل العلاقة بين المكونات على شكل دورة: المستشعر يكتشف ويتعقب. منظومة القيادة والسيطرة تدمج وتعرض وتنسق. المشغل المخول يقرر. المؤثر ينفذ الاستجابة. ثم تعود المستشعرات لتقويم النتيجة. وبذلك لا تكون (FAAD C2) مجرد شاشة عرض، ولا يكون (Coyote) سلاحاً يعمل منفرداً، بل يعملان ضمن سلسلة واحدة تربط المعلومة بالقرار والاستجابة. أما من حيث التشكيل، فيمكن التمييز بين منظومة حماية المواقع الثابتة، والنسخة المتحركة (M LIDS).

تستخدم منظومة الموقع الثابت لحماية القواعد والمطارات ومراكز القيادة والمخازن والمنشآت الحيوية. ويمكن توزيع الرادارات والمستشعرات والقواذف ووسائل الحرب الإلكترونية حول الموقع وفق التضاريس واتجاهات التهديد. وتسمح هذه المرونة بوضع المستشعر في مكان يوفر مجال رؤية مناسباً، ووضع المؤثرات في نقاط تحقق تغطية أفضل، مع ربطها جميعاً بمنظومة القيادة والسيطرة. أما النسخة المتحركة (M LIDS)، فتهدف إلى توفير قدرة لمكافحة المسيّرات ترافق القوات المنتشرة أو تتحرك معها بين المواقع. وقد تضم هذه النسخة رادارات ومستشعرات كهروبصرية وحرارية ومستشعرات لتحديد الاتجاه، ومنظومة (FAAD C2)، وقدرات حرب إلكترونية، وقواذف (Coyote)، ووسائل اتصال، ومؤثرات إضافية بحسب التشكيل.

وتثبت هذه المكونات على مركبات عسكرية محمية في بعض التشكيلات. كما يرتبط بها رادار متحرك من عائلة (KuRFS)، مثل (Ku 720)، لتوفير قدرة استشعار تتناسب مع متطلبات الانتشار. لكن يجب عدم اختزال (M LIDS) في رادار مركب على عربة، لأنها تشكيل متكامل يضم الاستشعار والقيادة والسيطرة والمؤثرات والاتصالات. كما يجب التمييز بين ثلاثة أوصاف قد تختلط في بعض العروض: قابلية النقل تعني إمكان نقل المنظومة من موقع إلى آخر. إعادة الانتشار تعني قدرتها على الوصول إلى موقع جديد واستعادة العمل خلال زمن محدد. أما العمل أثناء الحركة، فيعني استمرار الوظائف المطلوبة بينما تتحرك المنصة فعلياً.

ولا يجوز افتراض أن منظومة موصوفة بأنها متحركة تستطيع تنفيذ جميع وظائف الكشف والتعقب والاشتباك أثناء حركة المركبة. فقد تعمل بعض المكونات خلال الحركة، بينما تحتاج وظائف أخرى إلى التوقف أو تثبيت المعدات. ولذلك يجب الرجوع إلى مواصفات النسخة والتجهيز والاختبارات قبل إصدار الحكم.

إذا استطاعت منظومة محمولة الوصول إلى موقع جديد خلال وقت قصير، لكنها تحتاج إلى التوقف قبل تشغيل الرادار والقاذف، فهل نصفها بأنها تعمل أثناء الحركة؟

لا؛ فهي منظومة قابلة للحركة وإعادة الانتشار، لكن العمل أثناء الحركة يحتاج إلى دليل مستقل يثبت استمرار الوظائف المطلوبة خلال حركة المنصة. والخلاصة أن قوة (LIDS) تأتي من تكامل مكوناتها. فرادار (KuRFS) يوفر المسار، و(FAAD C2) تنظم المعلومات وتنسق القرار، وعائلة (Coyote) توفر خيارات حركية وغير حركية، بينما تسمح التشكيلات الثابتة والمتحركة بتكييف القدرة مع طبيعة المهمة. لكن امتلاك هذه المكونات لا يجيب وحده عن سؤال القدرة على مواجهة عدة أهداف في وقت متقارب. ولهذا ننتقل إلى القسم التاسع، الذي يتناول التهديدات المتعددة وكيفية قراءة نتائج اختبارات المنظومة وتقويم نقاط قوتها وحدودها.

التهديدات المتعددة وتقويم أداء منظومة (LIDS)

وقبل مناقشة أداء المنظومة، يجب التمييز بين الهجوم متعدد الطائرات والسرب المتعاون. وجود عشر طائرات في المجال الجوي لا يثبت أنها تعمل بوصفها سرباً. فقد تكون أُطلقت في وقت متقارب، لكنها تنفذ مسارات مستقلة ولا تتبادل المعلومات. أما السرب المتعاون، فيفترض وجود درجة من التنسيق أو تبادل البيانات أو توزيع المهام أو تعديل السلوك الجماعي. ولذلك يكون المصطلح الأدق عند غياب دليل على هذا التعاون هو (تهديد متعدد الطائرات المسيّرة). وقد يسبب الهجوم المتزامن ضغطاً كبيراً على الدفاعات حتى لو لم يكن سرباً بالمعنى التقني. تبدأ المواجهة بقدرة المستشعرات على اكتشاف عدة أجسام والمحافظة على مسار مستقل لكل واحد منها. ثم تظهر أمام منظومة القيادة والسيطرة مجموعة من الأسئلة:

  1. هل تمثل المسارات أجساماً حقيقية؟

  2. هل توجد مسارات مكررة أو أهداف خداعية؟

  3. ما الأهداف التي تتجه نحو الأصول الأعلى قيمة؟

  4. ما الزمن المتبقي لوصول كل هدف؟

  5. وما المؤثر المناسب والمتاح لكل واحد منها؟

ولا يكفي ترتيب الأهداف بحسب المسافة. فقد تكون طائرة قريبة تتحرك بعيداً عن الموقع، بينما تتجه طائرة أبعد بسرعة نحو مركز القيادة أو الرادار. لذلك يعتمد ترتيب الأولويات على اتجاه الحركة والسرعة والزمن المتبقي وقيمة الأصل المهدد وسلوك الهدف واحتمال حمله لذخيرة. بعد ذلك تخصص منظومة القيادة والسيطرة وسيلة استجابة لكل هدف، مع تجنب استخدام عدة مؤثرات ضد الهدف نفسه من دون حاجة، أو ترك هدف أخطر من دون استجابة. لكن التعامل مع عدة أهداف يكشف الفرق بين ثلاث قدرات: سعة الكشف، وهي عدد الأهداف التي تستطيع المستشعرات رصدها. سعة التعقب، وهي عدد المسارات التي تستطيع المنظومة المحافظة عليها وتحديثها. سعة الاشتباك، وهي عدد الأهداف التي تستطيع المنظومة تخصيص المؤثرات لها والتعامل معها خلال الزمن المتاح.

قد يستطيع الرادار تعقب عشرات الأهداف، لكن ذلك لا يعني أن المنظومة تمتلك العدد نفسه من المؤثرات أو قنوات الاشتباك أو القدرة على اعتراضها جميعاً في وقت واحد. وهنا نصل إلى كيفية قراءة نتائج الاختبارات المعلنة عن منظومة (LIDS). أعلنت شركة (Raytheon)، خلال أحد اختبارات الإجهاد، أن رادار (KuRFS) تمكن من اكتشاف وتعقب تشكيل معقد يضم أكثر من (30) طائرة غير مأهولة، بينما تمكنت مؤثرات (Coyote) من هزيمة عدة أهداف فردية وتشكيلات متعددة. تثبت هذه المعلومات قدرة معلنة على اكتشاف عدد كبير من الأهداف وتعقبه ضمن ظروف الاختبار، كما تثبت نجاح مؤثرات في التعامل مع عدة أهداف. لكنها لا تثبت أن المنظومة دمرت أكثر من (30) طائرة في وقت واحد.

فعدد الأهداف المكتشفة يختلف عن عدد الأهداف المتعقبة، وعدد الأهداف المتعقبة يختلف عن عدد الأهداف التي خُصصت للاشتباك، وهذا بدوره يختلف عن عدد الأهداف التي تحقق ضدها معيار التحييد. ولهذا يجب عند قراءة أي نسبة نجاح تحديد المقام الذي حُسبت منه.

  1. هل حُسبت النسبة من جميع الأهداف المشاركة؟

  2. أم من الأهداف المكتشفة؟

  3. أم من الأهداف التي خُصصت للاشتباك؟

  4. أم من محاولات الاعتراض المنفذة؟

فإذا شارك في الاختبار (20) هدفاً، واكتُشف (18)، وخُصص (10) منها لاختبار الاعتراض، ونجح الاعتراض ضد (9)، فلا يصح القول إن المنظومة حققت نجاحاً بنسبة (90 بالمئة) ضد جميع الأهداف. هذه النسبة تخص مجموعة الأهداف التي جرى الاشتباك معها، بينما تحتاج فاعلية المنظومة الكاملة إلى قراءة نتائج الكشف والتعقب والتصنيف والاعتراض كل منها بصورة مستقلة. كما يجب معرفة معيار النجاح المستخدم. فقد يعني التحييد تدمير الهدف، أو منعه من دخول منطقة معينة، أو إجباره على قطع المهمة. أما نجاح الحماية، فيعني استمرار سلامة الأصل أو قدرته على أداء وظيفته. وهناك فرق أيضاً بين الاختبار والاستخدام العملياتي.

يوفر الاختبار ظروفاً ومعايير وبيانات يمكن ضبطها وقياسها، بينما تتضمن البيئة العملياتية تضاريس معقدة وطقساً متغيراً وأهدافاً غير معروفة ومحاولات خداع وتشويش وقيوداً على استخدام القوة. لذلك تمثل نتائج الاختبارات دليلاً مهماً، لكنها لا تتحول إلى ضمان للأداء في جميع البيئات. ومن نقاط القوة التي تدعمها المصادر العلنية عن (LIDS): تكامل الاستشعار والقيادة والسيطرة ووسائل التأثير. تنوع مصادر المعلومات. وجود خيارات استجابة حركية وغير حركية. وجود تشكيلات ثابتة ومتحركة. إجراء اختبارات متكررة ووجود خبرة استخدام معلنة.

أما القيود والتحديات، فتشمل احتمال تأثر الاستشعار بالتضاريس والفوضى الرادارية، وعدم نجاح الحرب الإلكترونية ضد جميع أنماط المسيّرات، ومحدودية الذخائر وقنوات الاشتباك أمام الهجمات الكثيفة، إضافة إلى مخاطر الحطام والحاجة إلى إدارة الطيف وحماية الاتصالات والبيانات. لكن يجب التمييز بين القيد التقني العام والقصور المثبت. فالقول إن الرادارات تتأثر بالتضاريس يمثل قيداً عاماً في الاستشعار. أما القول إن نسخة محددة من (LIDS) فشلت في تحقيق متطلب معين، فيحتاج إلى نتيجة اختبار أو سجل عملياتي يثبت ذلك. كذلك لا يعني عدم نشر إحدى القدرات أنها غير موجودة، لكنه يمنعنا من الجزم بوجودها أو تحديد مستواها. وأخيراً، لا تكفي حيازة المعدات للحكم على الجاهزية. الامتلاك يعني وجود المعدات لدى الوحدة. أما الصلاحية الفنية فتعني قدرتها على أداء وظائفها المحددة.

والجاهزية للمهمة تعني توافر المعدات والأطقم والتكامل والذخائر والاتصالات والصلاحيات اللازمة لتنفيذ المهمة. أما الاستدامة فتعني القدرة على المحافظة على هذه الجاهزية مع استمرار التشغيل والصيانة والاستهلاك. لذلك يعتمد أداء (LIDS) الفعلي على تدريب الأطقم، وتوافر قطع الغيار والذخائر، وصيانة المكونات، وتحديث البرمجيات، واستمرار التكامل بين الأجزاء المختلفة. والخلاصة أن (LIDS) تقدم نموذجاً متقدماً للتكامل في مكافحة الطائرات المسيّرة الصغيرة، لكن تقويمها يجب أن يرتبط بالمهمة والنسخة والتجهيز وظروف الاختبار والجاهزية الفعلية. وبعد دراسة المنظومة نظرياً، ننتقل إلى القسم العاشر لتطبيق المفاهيم على سيناريو تطبيقي، نميز فيه بين ما تثبته الأرقام، وما يمكن استنتاجه بشروط، وما يحتاج إلى معلومات إضافية.

سيناريو تطبيقي وقراءة النتائج

جميع الأرقام الواردة في الحالة افتراضية، ولا تمثل نتائج فعلية لمنظومة (LIDS). تتكون المنظومة محل التقييم من رادار، ومستشعر كهروبصري وحراري، ومستشعر للترددات الراديوية، ومنظومة قيادة وسيطرة، ووسائل استجابة حركية وغير حركية. ورد في تقرير الاختبار ما يأتي: شارك في الاختبار (20) هدفاً جوياً. اكتشف الرادار (18) هدفاً. حافظت المنظومة على مسارات مستمرة لـ (16) هدفاً وفق معيار الاختبار. قدم المستشعر الكهروبصري والحراري تأكيداً لنوع (12) هدفاً، من دون تحديد الجهة التي تشغلها. خُصصت مجموعة من (10) أهداف لاختبار الاستجابة، بينما استُخدمت بقية الأهداف لتقييم الاستشعار والتعقب. تحقق معيار التحييد المعتمد ضد (9) أهداف من مجموعة الاستجابة. بقيت نتيجة الهدف العاشر غير محسومة بسبب نقص بيانات تقويم النتيجة.

استُخدم مؤثر مستهلك في بعض المحاولات، ومنصة قابلة للاستعادة في محاولات أخرى، من دون تحديد أعداد كل نوع. استُعيدت المنصة القابلة للاستعادة، لكن التقرير لم يذكر الزمن اللازم لفحصها وتجهيزها لمهمة جديدة. أُجري الاختبار على مركبات متوقفة، ثم نُقلت المنظومة بعد ذلك إلى موقع آخر. لم يقدم التقرير بيانات عن كلفة التشغيل أو الصيانة طويلة المدى أو نتائج تكرار الاختبار في ظروف مختلفة.

لكن لا يجوز القول إن المنظومة حيّدت (90 بالمئة) من جميع الأهداف المشاركة، لأن مجموعة الاستجابة لم تشمل الأهداف العشرين. كما أن نتيجة الهدف العاشر بقيت غير محسومة. وعدم حسم النتيجة لا يساوي إثبات النجاح، لكنه لا يساوي بالضرورة إثبات الفشل أيضاً. ولا يمكن استخدام هذه التجربة وحدها لاستخراج نسبة نجاح عامة للمنظومة في جميع الظروف.

ويحتاج قرار الاقتناء إلى متطلبات عملياتية محددة، وتجهيز معروف، واختبارات قبول، وبيانات فنية وتعاقدية، وتقييم للكلفة والدعم والاستدامة. والدرس من هذا السيناريو هو أن قراءة الأرقام تحتاج إلى معرفة وظيفة كل رقم والمجموعة التي حُسب منها. عدد الأهداف المكتشفة لا يساوي عدد الأهداف المتعقبة. وعدد الأهداف المتعقبة لا يساوي عدد الأهداف المصنفة. وعدد الأهداف المصنفة لا يساوي عدد الأهداف التي جرى الاشتباك معها. ونجاح المؤثر ضد هدف لا يعني تلقائياً نجاح مهمة الحماية كاملة. لذلك يجب أن يحدد التقييم المهني ثلاث مسائل:

  1. ما الذي تثبته البيانات صراحة؟

  2. ما الذي يمكن استنتاجه منها بشروط؟

  3. وما المعلومات الناقصة التي تمنع إصدار حكم نهائي؟

وبهذه القاعدة نستطيع تقييم منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة بصورة علمية، من دون التقليل من قدراتها أو المبالغة فيها.

الخاتمة

يوضح هذا المقال أن الطائرة الصغيرة والمنخفضة الكلفة قد تهدد أصلاً عسكرياً مرتفع القيمة. وتبدأ المواجهة بالكشف، ثم التعقب والتعرف والتصنيف وتقييم التهديد وترتيب الأولويات واختيار الاستجابة، وتنتهي بتقويم النتيجة وإعادة التقييم.

وتقوم الاستجابة على طبقات تشمل الحرب الإلكترونية والاعتراض الحركي والطاقة الموجهة والحماية السلبية. ولا يتحدد المؤثر المناسب بقوته أو كلفته وحدهما، بل بملاءمته للتهديد والمهمة والزمن والمخاطر والموارد المتاحة.

وتحول القيادة والسيطرة المستشعرات والمؤثرات المتفرقة إلى قدرة مترابطة، بينما يساعد الذكاء الاصطناعي في تنظيم المعلومات ومقارنة الخيارات من دون أن يلغي مسؤولية الإنسان المخول عن قرار استخدام القوة.

وتجسد منظومة (LIDS) هذا التكامل من خلال رادار (KuRFS) ومنظومة (FAAD C2) وعائلة مؤثرات (Coyote) ووسائل الحرب الإلكترونية. لكنها تبقى طبقة ضمن دفاع أوسع، وتتحدد فاعليتها بالنسخة والتجهيز والجاهزية والتدريب والصيانة والإمداد.

وتبقى الرسالة النهائية أن نجاح الدفاع ضد الطائرات المسيّرة يعتمد على بناء سلسلة موثوقة وقصيرة بين اكتشاف التهديد وفهمه واتخاذ القرار واختيار المؤثر وتقويم النتيجة، مع الاحتفاظ بالقدرة على مواجهة التهديد التالي.

المصادر والمراجع

استند المقال إلى المصادر العلنية الآتية للتحقق من توصيف المكونات والقدرات المعلنة:

  1. RTX Raytheon Meet the US Army’s LIDS A sure shot against drones

  2. Northrop Grumman Forward Area Air Defense FAAD

  3. SRC LIDS Counter UAS Technology

  4. U.S. Central Command M LIDS training in Bahrain 26 January 2026

  5. Leonardo DRS U.S. Army M LIDS Counter UAS Platforms