حين يدفع المواطن فاتورة فشل الدولة الاقتصادي

Analysis-2026-049 | حين يدفع المواطن فاتورة فشل الدولة الاقتصادي
شعار مركز iTach Denmark للدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية
Analysis-2026-049 ANALYSIS STRATEGIC ECONOMICS EXCHANGE RATE FISCAL REFORM

حين يدفع المواطن فاتورة فشل الدولة الاقتصادي

أزمة سعر الصرف والإنفاق العام في العراق
مقال تحليلي صادر عن مركز iTach Denmark للدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية (ITSSC)، يناقش أزمة سعر الصرف والإنفاق العام في العراق بوصفها انعكاسًا لاختلالات أعمق في المالية العامة وبنية الاقتصاد، ويحلل العلاقة بين المكاسب الاسمية التي تحققها الخزينة من تعديل سعر الصرف والكلفة التي تنتقل إلى المواطن، مع بحث بدائل إدارة الأزمة ومسارات الإصلاح المالي والاقتصادي طويل الأجل.
القسم تحليلات (Analysis)
التصنيف الموضوعي Strategic Economics, Public Policy, Exchange Rate, Fiscal Policy, Public Expenditure, Economic Reform
رقم المادة وتاريخ النشر Analysis-2026-049 – 7 تشرين الأول 2026
الإعداد والاتصال
م. مصطفى كامل الشريف
المؤسس والمدير التنفيذي
مركز iTach Danmark للدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية (ITSSC)
mustafa@itach.dk www.itach.dk
الاستشهاد المقترح الشريف، مصطفى كامل. حين يدفع المواطن فاتورة فشل الدولة الاقتصادي: أزمة سعر الصرف والإنفاق العام في العراق. iTach Denmark – ITSSC, 2026. Analysis-2026-049.
قاعدة الاستناد تحليل اقتصادي واستراتيجي يربط بين سعر الصرف والمالية العامة والإنفاق الحكومي والقوة الشرائية، ويبحث بدائل إدارة الأزمة وإصلاح الإيرادات والنفقات والقطاع العام والقطاع الخاص ضمن أفق زمني يمتد إلى عشر سنوات.

المقدمة

الدولة التي تحترم مؤسساتها وتعيش هموم مواطنيها لا تبدأ معالجة أزماتها من جيب المواطن، بل تبدأ أولًا بمراجعة نفقاتها، ومعالجة الترهل الإداري، ومكافحة الهدر، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، قبل أن تنقل كلفة الاختلالات المالية إلى المجتمع.

هذه القاعدة تصبح أكثر أهمية في العراق، حيث لا تكمن المشكلة في ندرة الموارد بقدر ما تكمن في طبيعة إدارة اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، مقابل توسع مستمر في الالتزامات التشغيلية للدولة، وضعف الإيرادات غير النفطية، ومحدودية قدرة القطاعات الإنتاجية على توليد الدخل وفرص العمل.

ومع تعديل سعر صرف الدينار من مستوى (1320) دينارًا للدولار إلى هيكل جديد يصل فيه السعر المقرر للمستفيد النهائي إلى (1520) دينارًا، دخلت الأزمة المالية مرحلة مختلفة. فمن جهة، تحصل الخزينة على دنانير أكثر مقابل إيراداتها النفطية الدولارية، بما يمنحها مساحة إضافية لتمويل التزاماتها. ومن جهة أخرى، يواجه المواطن انخفاضًا في القيمة الخارجية لدخله ومدخراته، وارتفاعًا محتملًا في كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والذهب والأصول المرتبطة بالدولار.

وهنا تظهر المفارقة التي دفعت إلى كتابة هذا المقال. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المجتمع تحمل جانب من كلفة الأزمة، يستمر النقاش السياسي حول استحداث مناصب حكومية عليا جديدة، من بينها أربعة نواب لرئيس مجلس الوزراء، وما يمكن أن يترتب على أي توسع مؤسسي جديد من مكاتب وحمايات وموظفين ومخصصات ونفقات تشغيلية طويلة الأجل.

وهذا لا يعني أن كل منصب حكومي جديد يمثل هدرًا بالضرورة، ولا أن كل تعديل لسعر الصرف يمثل سياسة اقتصادية خاطئة بالضرورة. لكن إدارة الأزمات تفرض سؤالًا أكثر جوهرية: هل استنفدت الدولة أدوات إصلاح إنفاقها وزيادة إيراداتها وتحسين كفاءة مؤسساتها قبل أن تجعل انخفاض قيمة العملة جزءًا من معالجة أزمتها المالية؟

إن القضية، بهذا المعنى، أكبر من الانتقال من سعر صرف إلى آخر. إنها قضية نموذج اقتصادي وإدارة دولة وتوزيع لكلفة الأزمة. ولهذا يحاول هذا المقال الانتقال من الخطاب العام إلى الأرقام، ومن السؤال السياسي إلى التحليل الاقتصادي، عبر تتبع العلاقة بين الإيرادات النفطية وسعر الصرف والموازنة والإنفاق الحكومي والقوة الشرائية، ثم دراسة البدائل التي كان يمكن استخدامها لتقليل كلفة الأزمة على المجتمع.

فالقاعدة التي ينطلق منها هذا التحليل بسيطة: إذا كان المواطن مطالبًا بتحمل جزء من كلفة إنقاذ المالية العامة، فمن حقه أولًا أن يعرف: ماذا فعلت الدولة لتخفيض كلفتها هي؟

إذا كان المواطن مطالبًا بتحمل جزء من كلفة إنقاذ المالية العامة، فمن حقه أولًا أن يعرف: ماذا فعلت الدولة لتخفيض كلفتها هي؟

الملخص التنفيذي

يحلل هذا المقال قرار تعديل سعر صرف الدينار العراقي في سياق أوسع من السياسة النقدية، وينطلق من أن أزمة سعر الصرف أحد مظاهر اختلال هيكلي أعمق في نموذج المالية العامة والاقتصاد العراقي.

يعتمد العراق بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية المقومة بالدولار، بينما تتحمل الموازنة التزامات داخلية متزايدة بالدينار. ويمنح خفض قيمة الدينار الخزينة فائدة مالية مباشرة لأن كل دولار من الإيرادات النفطية يولد عددًا أكبر من الدنانير، لكنه لا يخلق ثروة حقيقية جديدة.

في المقابل، تنتقل آثار القرار إلى المجتمع بدرجات مختلفة من خلال كلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج والقوة الشرائية والذهب والمدخرات. لذلك يناقش المقال عدالة توزيع كلفة الأزمة، ويقترح برنامجًا يبدأ بإجراءات طوارئ لمدة سنة، ثم إصلاح مالي ومؤسسي لثلاث سنوات، وصولًا إلى تحول اقتصادي يمتد إلى عشر سنوات.

1. الأزمة ليست أزمة دولار: تشخيص الخلل البنيوي في الاقتصاد العراقي

نفط ← دولار ← موازنة ← رواتب وإنفاق حكومي ← استهلاك ← استيراد ← طلب جديد على الدولار

المشكلة البنيوية أن إيرادات متقلبة تمول التزامات دائمة. فكل وظيفة أو مؤسسة أو مخصص جديد ينشئ التزامًا يمتد لسنوات، بينما يبقى سعر النفط وحجم الصادرات معرضين للصدمات.

تعديل سعر الصرف يستطيع تخفيف ضغط التمويل الآني، لكنه لا يصلح مصدر الاختلال: الاعتماد على النفط، تضخم الإنفاق التشغيلي، ضعف الإيرادات غير النفطية، ومحدودية القطاعات الإنتاجية.

2. ماذا تكسب الخزينة من خفض قيمة الدينار؟

وفق هيكل السعر الجديد، حُدد سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند (1500) دينار، بينما يصل السعر المقرر للمستفيد النهائي إلى (1520) دينارًا. وعند حساب أثر القرار على الخزينة يجب استخدام سعر تحويل إيرادات وزارة المالية لا سعر البيع للمستهلك.

إذا كانت لدى الدولة إيرادات مقدارها مليار دولار، فإن تحويلها عند (1320) ينتج (1.32 تريليون دينار)، وعند (1500) ينتج (1.50 تريليون دينار). أي أن المليار دولار نفسه يولد (180 مليار دينار) إضافية، بزيادة اسمية تقارب (13.6%).

الأثر الحسابي: هذه الزيادة لا تعني أن الدولة أنتجت نفطًا إضافيًا أو رفعت إنتاجية الاقتصاد؛ بل إن الدولار نفسه أصبح يساوي عددًا أكبر من الدنانير.

3. ما تكسبه الخزينة اسميًا يقابله انخفاض في قيمة الدينار

راتب مقداره مليون دينار كان يعادل نظريًا نحو (758 دولارًا) عند سعر (1320)، ويعادل نحو (658 دولارًا) عند سعر (1520). الرقم الاسمي للراتب لم يتغير، لكن قيمته الخارجية تجاه الدولار انخفضت بنحو (100 دولار) نظريًا.

هذا لا يعني أن جميع أسعار السلع سترتفع بالنسبة نفسها، لكنه يوضح الفرق بين الراتب الاسمي والراتب الحقيقي، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السلع والمدخلات المستوردة.

4. من سعر الدولار إلى مائدة المواطن

المستورد ← تاجر الجملة ← تاجر التجزئة ← المستهلك

كلما ارتفعت نسبة المكون المستورد في السلعة أو عملية إنتاجها، ازدادت حساسيتها لتغير سعر الصرف. ويكون العبء النسبي أكبر على الأسر محدودة الدخل لأن الغذاء والدواء والنقل والخدمات الأساسية تستحوذ على حصة أكبر من دخلها.

5. الذهب والمدخرات: عندما يعاد تسعير الثروة

الذهب أصل عالمي يسعر أساسًا بالدولار، لذلك يتحدد سعره المحلي من خلال السعر العالمي وسعر الدولار مقابل الدينار، ثم تضاف تكاليف الصياغة وهوامش التجارة.

إذا بقي السعر العالمي ثابتًا وانتقل الدولار من (1320) إلى (1520)، فإن عنصر سعر الصرف وحده يعني زيادة نظرية تقارب (15.15%) في الكلفة الدينارية. وإذا ارتفع الذهب عالميًا بالتزامن مع ضعف الدينار، يظهر تأثير مزدوج.

أصحاب الذهب أو الدولار يستطيعون حماية جزء من قيمة مدخراتهم، بينما يكون صاحب المدخرات النقدية بالدينار أكثر تعرضًا لتراجع قيمتها تجاه تلك الأصول.

6. هل نحن أمام ضريبة تضخمية غير معلنة؟

ملاحظة: تغيير سعر الصرف ليس ضريبة قانونية، لكن انخفاض قيمة العملة وما يرافقه من ارتفاع للأسعار يمكن أن يؤدي إلى أثر يشبه الاقتطاع من القوة الشرائية. ويستخدم الاقتصاديون مفهوم (الضريبة التضخمية) لوصف تآكل القيمة الحقيقية للأرصدة النقدية بفعل التضخم.

المعيار المهم هو ما إذا كان نمو كلفة المعيشة يتجاوز نمو الدخل. عندها ينخفض الدخل الحقيقي حتى لو بقي الراتب الاسمي ثابتًا.

7. تقشف على المواطن وتوسع داخل الدولة: أين تبدأ المسؤولية؟

الترشيد لا يعني خفض الاستثمار أو الخدمات الأساسية، بل التمييز بين الإنفاق المنتج والإنفاق التشغيلي منخفض العائد.

في الوقت الذي تواجه فيه المالية العامة ضغوطًا، استمر النقاش السياسي بشأن استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس مجلس الوزراء. ويجب أن يكون النقاش مؤسسيًا: ما الوظيفة الجديدة؟ لماذا لا تؤديها المؤسسات القائمة؟ وما الكلفة والنتائج القابلة للقياس؟

8. راتب (10 ملايين) وسبعة مليارات للمكتب و(800) حارس: أرقام تحتاج جوابًا رسميًا

بحسب تقرير نشرته مؤسسة (المدى) نقلًا عن مصادرها، يجري الاستعداد لاستقبال أول نائب لرئيس مجلس الوزراء براتب لا يقل عن (10 ملايين دينار) شهريًا، كما أشار التقرير إلى إنفاق نحو (7 مليارات دينار) على تجديد قصر الزقورة، وأن المكتب يحتاج إلى (800) حارس على الأقل. وتمثل هذه الأرقام، إذا تأكدت رسميًا، مثالًا مباشرًا على الكلفة المالية المصاحبة لاستحداث المناصب العليا، وهي كلفة لا تقتصر على راتب شاغل المنصب، بل تمتد إلى المقر والحماية والموظفين والتجهيز والتشغيل.

قيد منهجي: ومع ذلك، لا تتوافر في المصادر التي استند إليها هذا المقال وثيقة مالية حكومية منشورة تثبت بصورة مستقلة هذه الأرقام، ولذلك تُعرض هنا بوصفها معلومات صحفية منسوبة إلى (المدى) ومصادرها وتستوجب توضيحًا رسميًا، لا بوصفها حقائق مالية قطعية.

وإذا اعتمدنا رقم الراتب المنشور لأغراض الحساب فقط، فإن أربعة نواب براتب لا يقل عن (10 ملايين دينار) لكل نائب تعني ما لا يقل عن (40 مليون دينار) شهريًا، أي (480 مليون دينار) سنويًا لرواتب النواب الأربعة وحدهم، قبل احتساب أي مخصصات أو مكاتب أو حمايات أو مركبات أو نفقات تشغيلية أخرى.

9. ماذا يعني (800) عنصر اقتصاديًا؟

إذا استخدمنا الرقم المنشور كسيناريو حسابي وافترضنا متوسط راتب شهري (1.25 مليون دينار)، فإن رواتب (800) عنصر تبلغ مليار دينار شهريًا و(12 مليار دينار) سنويًا، أو (48 مليار دينار) خلال أربع سنوات.

هذا الحساب لا يشمل التسليح والتجهيز والمركبات والوقود والصيانة والاتصالات والمقار والإدارة والمخصصات والحقوق التقاعدية. لذلك ينبغي اعتماد مفهوم الكلفة الكلية للتشغيل لا الراتب وحده.

10. وإذا تكرر النموذج أربع مرات؟

لا توجد أدلة منشورة تثبت أن كل واحد من النواب الأربعة سيحصل على (800) عنصر، لذلك لا يجوز تقديم حاصل الضرب في أربعة ككلفة حكومية مؤكدة.

لكن كاختبار ضغط افتراضي، فإن (3200) عنصر بمتوسط (1.25 مليون دينار) يعني (4 مليارات دينار) شهريًا و(48 مليارًا) سنويًا للرواتب وحدها، أو (192 مليار دينار) خلال أربع سنوات.

11. مكتب بـ(7) مليارات أم مشروع منتج بـ(7) مليارات؟

إذا ثبت رقم تجهيز المكتب، فيجب تقييمه بمنطق تكلفة الفرصة البديلة: ماذا كان يمكن أن ينجز المبلغ نفسه في المدارس أو الصحة أو المياه أو الرقمنة أو المشاريع الإنتاجية؟

السؤال ليس إن كان للمسؤول حق في مكتب وحماية، بل ما إذا كانت الكلفة متناسبة مع الوظيفة والظرف المالي والعائد العام.

12. المشكلة ليست في الإنفاق الحكومي بل في نوعيته

العراق يحتاج إلى إنفاق رأسمالي كبير في الكهرباء والمياه والنقل والتعليم والصحة والبنية الرقمية والصناعة والزراعة. المشكلة في نوعية الإنفاق وعائده، لا في الإنفاق بذاته.

كلما ارتفعت نسبة الالتزامات التشغيلية الثابتة أصبحت قدرة الدولة على التكيف مع انخفاض النفط أضعف.

13. اختبار الضرورة والكلفة الحكومية

قبل استحداث أي وزارة أو هيئة أو منصب رفيع يجب الإجابة عن خمسة أسئلة: ما المشكلة التي سيحلها؟ لماذا لا تستطيع مؤسسة قائمة أداء المهمة؟ ما كلفته لأربع أو خمس سنوات؟ ما مؤشرات الأداء؟ وما آلية إلغائه أو دمجه إذا لم يحقق النتائج؟

14. الإصلاح يجب أن يبدأ من دفتر حسابات الدولة

إذا طُلب من المجتمع تحمل آثار تعديل سعر الصرف، فإن العدالة الاقتصادية تقتضي أن يرى المواطن أن الدولة نفسها دخلت برنامج إصلاح حقيقيًا: تقليل الهياكل المتكررة والمكاتب والمخصصات والحمايات غير المتناسبة والإنفاق الإداري منخفض العائد، مع حماية الاستثمار والخدمات.

15. هل كانت هناك بدائل عن خفض قيمة الدينار؟

سعر الصرف أداة واحدة ضمن أدوات إدارة الأزمة وليس بديلًا عن الإصلاح المالي. البدائل تشمل ضبط الإنفاق، زيادة الإيرادات غير النفطية، تحسين الضرائب والجمارك، حماية الاستثمار المنتج، وإصلاح كتلة الأجور والإدارة العامة.

16. المرحلة الأولى: برنامج طوارئ مالي لمدة (12 شهرًا)

يقترح البرنامج تجميد التوسع الإداري غير الضروري لمدة سنة، ومراجعة النفقات وتقسيمها إلى ضرورية ومنتجة وقابلة للتأجيل. القاعدة: أوقف الإنفاق منخفض الأولوية قبل أن تخفض الإنفاق المنتج أو تنقل الكلفة إلى المواطن.

17. إصلاح الرواتب من دون المساس بالموظف البسيط

الإصلاح يبدأ من سجل وطني موحد لموظفي الدولة، وربط البيانات بالهوية والحسابات الرسمية، ومنع الازدواج والوظائف الوهمية، وربط التعيينات بالحاجة الفعلية، مع استمرار التوظيف في القطاعات التي تعاني نقصًا حقيقيًا.

الهدف هو إدارة كتلة الرواتب لا خفض رواتب الموظفين الصغار.

18. الجمارك والمنافذ: المال الموجود خارج الخزينة

الحل ليس زيادة الرسوم فقط، بل بناء منظومة جمركية رقمية تربط المنفذ والجمارك والضرائب والمصارف والتجارة والبنك المركزي والخزينة، بحيث تصبح حركة البضاعة والقيمة والرسوم والتحويل قابلة للتتبع.

19. الضرائب: توسيع القاعدة قبل رفع العبء

الأولوية هي رقمنة الإدارة الضريبية وتسجيل النشاط الاقتصادي وتقليل الإعفاءات غير المبررة ومكافحة التهرب وتوسيع القاعدة، قبل زيادة المعدلات على الملتزمين الحاليين.

20. حساب الخزينة الموحد

يسمح حساب الخزينة الموحد (TSA) برؤية مركزية للأموال الحكومية والسيولة والالتزامات، ويقلل تشتت الحسابات والاقتراض غير الضروري ويحسن الرقابة على المال العام.

21. لا تطبع المال لمعالجة العجز

تمويل العجز بالتوسع النقدي قد يقود إلى دائرة:

عجز ← إصدار نقدي ← تضخم ← ضغط على الدولار ← استنزاف الاحتياطيات ← ارتفاع الأسعار والعجز من جديد

22. حماية المواطن: لماذا لا تكون زيادة الرواتب العامة هي الحل؟

الزيادة العامة غير الممولة قد تزيد السيولة والطلب والاستيراد والطلب على الدولار.

الأكثر كفاءة هو الدعم الموجه للفئات منخفضة الدخل والمتقاعدين وشبكات الحماية، وتعزيز الغذاء والدواء الأساسيين عند الحاجة.

23. مجلس طوارئ اقتصادي بلا بيروقراطية جديدة

يمكن تشكيل فريق أزمة مؤقت من المؤسسات القائمة لمتابعة سعر الصرف والتضخم والغذاء والاحتياطيات والصادرات والإيرادات والإنفاق والسيولة والتحويلات والذهب عبر لوحة مؤشرات دورية، دون إنشاء جهاز دائم جديد.

24. المرحلة الثانية: من إدارة الأزمة إلى إصلاح الدولة (1–3 سنوات)

بعد الاستقرار تبدأ أربعة مسارات متزامنة: إصلاح المالية العامة، إصلاح الجهاز الحكومي، تنمية القطاع الخاص، وزيادة الإنتاج المحلي.

25. إعادة هيكلة الشركات العامة

يجب تصنيف الشركات العامة إلى استراتيجية، وقابلة للإصلاح والشراكة، وقابلة للدمج، وأخرى تحتاج إعادة هيكلة عميقة، مع برنامج انتقالي يحمي العمال من الصدمة الاجتماعية.

26. من الاستيراد إلى الإحلال الذكي للواردات

لا يحتاج العراق إلى إنتاج كل شيء، بل إلى تحديد قطاعات واقعية مثل الصناعات الغذائية ومواد البناء والبتروكيمياويات والأسمدة وبعض المنتجات الزراعية والدوائية والخدمات الرقمية، وجعل الإنتاج المحلي قادرًا على المنافسة.

27. القطاع الخاص يجب أن يصبح مولد الوظائف

إصلاح كتلة الرواتب يتطلب بديلًا حقيقيًا للوظيفة الحكومية: ضمان اجتماعي للعاملين في القطاع الخاص، تمويل للمشروعات المنتجة، قضاء تجاري سريع، تبسيط تأسيس الشركات، ومنافسة عادلة.

28. المرحلة الثالثة: القاعدة المالية العراقية (3–10 سنوات)

يحتاج العراق إلى قاعدة مالية تحدد سعرًا مرجعيًا محافظًا للنفط وتمنع تحويل كل فائض مؤقت إلى إنفاق تشغيلي دائم، مع توزيع الفوائض بين الاستقرار والاستثمار والادخار للأجيال.

29. صندوق الاستقرار: حتى لا يصبح الدولار صمام الطوارئ

صندوق الاستقرار المالي يمول في سنوات الوفرة ويستخدم عند تراجع الإيرادات أو تعطل الصادرات، ويجب الفصل بينه وبين احتياطيات البنك المركزي ذات الوظيفة النقدية والخارجية.

30. الخروج من المعادلة الريعية

نفط + صناعة + زراعة + خدمات + اقتصاد رقمي + استثمار خاص ← إنتاج ووظائف ← صادرات وإحلال واردات ← إيرادات متنوعة ← موازنة أكثر استقرارًا

31. معيار نجاح الإصلاح: ليس سعر الدولار وحده

ينبغي قياس الإيرادات غير النفطية، ونسبة الرواتب والتقاعد، والإنفاق الاستثماري، ونمو القطاع الخاص، والصادرات غير النفطية، والإنتاج المحلي، والإيرادات الجمركية والضريبية، والعاملين المسجلين في القطاع الخاص، والعجز الهيكلي.

32. ثلاثة سيناريوهات أمام العراق

السيناريو الأول استمرار إدارة الأزمة بالأدوات نفسها، فتتكرر الضغوط
السيناريو الثاني إصلاح مالي جزئي يقلل الضغط لكنه يبقي الاعتماد على النفط
السيناريو الثالث إصلاح هيكلي تدريجي يضبط النفقات وينوع الإيرادات ويطور القطاع الخاص والإنتاج ويبني أدوات استقرار مالي

33. الخاتمة: الإصلاح يبدأ من الدولة قبل جيب المواطن

خفض قيمة العملة قد يكون أداة مشروعة في ظروف معينة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى بديل عن الإصلاح. زيادة الدنانير الناتجة عن تحويل الإيرادات النفطية لا تزيد إنتاجية الاقتصاد ولا تصلح الإدارة العامة.

إذا كان المواطن مطالبًا بتحمل جزء من كلفة الأزمة، فمن حقه أن يسأل: ماذا خفّضتم من كلفة الدولة قبل أن تخفّضوا قيمة ما في جيبي؟

ماذا خفّضتم من كلفة الدولة قبل أن تخفّضوا قيمة ما في جيبي؟

34. النتائج الرئيسية

تعديل سعر الصرف يحسن الإيرادات الدينارية اسميًا لكنه لا يخلق ثروة جديدة. معالجة العجز عبر العملة توزع جزءًا من الكلفة على المجتمع. أصحاب الدخول المنخفضة أكثر تعرضًا نسبيًا. الذهب يكشف أثر الأزمة على الثروة والمدخرات. جوهر المشكلة مالي وهيكلي قبل أن يكون نقديًا.

الإنفاق الحكومي ليس المشكلة بذاته بل نوعيته. واستحداث المؤسسات يخلق التزامات طويلة الأجل. والإصلاح المطلوب هو إدارة كتلة الرواتب، وتنمية الإيرادات غير النفطية، ومنع تحويل طفرات النفط إلى إنفاق دائم.

35. التوصيات التنفيذية

  • تجميد استحداث المناصب والهيئات غير الضرورية لمدة سنة.
  • مراجعة الإنفاق التشغيلي.
  • إلزام أي مؤسسة جديدة بدراسة كلفة لخمس سنوات.
  • إنشاء سجل وطني موحد للموظفين.
  • حماية أصحاب الدخول المنخفضة.
  • تجنب الزيادات العامة غير الممولة.
  • رقمنة الجمارك والضرائب.
  • استكمال حساب الخزينة الموحد.
  • تجنب التمويل النقدي للعجز.
  • إعادة تقييم الشركات العامة.
  • حماية الاستثمار المنتج.
  • إطلاق إحلال ذكي للواردات.
  • تحسين بيئة القطاع الخاص.
  • إنشاء قاعدة مالية وصندوق استقرار.
  • اعتماد خطة اقتصادية وطنية لعشر سنوات.

36. إطار مقترح لإدارة الأزمات المالية في العراق

المرحلة الأولى أوقف النزيف
(ضبط الهدر والتوسع الإداري والنفقات غير الضرورية)
المرحلة الثانية احمِ المواطن
(دعم موجه للفئات الأكثر تضررًا وحماية الغذاء والدواء والدخول المنخفضة)
المرحلة الثالثة استعد أموال الدولة
(الجمارك والضرائب والمنافذ والرقمنة وحساب الخزينة الموحد)
المرحلة الرابعة أصلح بنية الاقتصاد
(القطاع الخاص والصناعة والزراعة والطاقة والخدمات والاقتصاد الرقمي)
المرحلة الخامسة امنع الأزمة القادمة
(قاعدة مالية + صندوق استقرار + صندوق سيادي + تنويع الإيرادات)

الخلاصة النهائية

الأزمة الحالية ليست أزمة دولار فقط، بل اختبار لطريقة إدارة الدولة العراقية لمواردها.

العراق يمتلك موارد كبيرة لكنه يبقى معرضًا للصدمات طالما ظلت العلاقة الأساسية: ارتفاع النفط يعني توسع الإنفاق، وانخفاضه يعني البحث عن طريقة لتمويل التوسع السابق.

تعديل سعر الصرف يستطيع شراء الوقت للمالية العامة، لكنه لا يستطيع شراء الإصلاح.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بتغيير الطريقة التي تجمع بها الدولة أموالها، وتنفقها، وتقيس بها الحاجة إلى مؤسساتها.

والاختبار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية ليس مقدار الأموال التي تستطيع الحكومة جمعها في سنة الأزمة، بل: هل أصلحت الدولة الأسباب التي صنعت الأزمة كي لا يدفع المواطن الفاتورة مرة أخرى بعد سنوات؟

تعديل سعر الصرف يستطيع شراء الوقت للمالية العامة، لكنه لا يستطيع شراء الإصلاح.

المصادر والمراجع الأساسية

استند المقال إلى المصادر الآتية:

  1. Central Bank of Iraq – بيانات وقرارات سعر الصرف والسياسة النقدية.
  2. International Monetary Fund (2025) – Iraq Article IV Consultation and mission concluding statement, including public finances, wage bill and non-oil revenues.
  3. Reuters (6–7 October 2026) – Reports concerning Iraq’s 2027 budget proposal and adjustment of the Iraqi dinar exchange rate.
  4. Al-Mada Foundation – Report concerning preparations for the creation of Deputy Prime Minister positions, including figures attributed to its sources regarding a salary of no less than IQD 10 million, approximately IQD 7 billion for renovation of Al-Zawraa Palace, and a stated requirement for at least 800 guards. These figures are cited in the article as press-reported claims not independently confirmed by a published government financial document.