ستارلنك في الدنمارك والعراق… التقنية واحدة، لكن السيادة مختلفة
mustafa@itach.dk — www.itach.dk
هل أنا ضد ستارلنك؟
بعد كتابتي لأكثر من عشر مقالات ودراسات حول الأبعاد الأمنية والسيادية لمنظومة Starlink، قد يتبادر إلى ذهن بعض المتابعين سؤال مشروع:
الجواب بكل وضوح: لا.
أنا لا أنتقد تقنية Starlink من حيث المبدأ، ولا أدعو إلى منع التكنولوجيا أو حرمان العراق من خدمات الإنترنت الفضائي.
بل أؤمن بأن هذه التقنية تمثل إضافة مهمة، خصوصًا في المناطق النائية، وفي حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية، وفي المواقع التي لا تصل إليها شبكات الاتصالات الأرضية بالكفاءة المطلوبة.
لكن اعتراضي ينصب على البيئة القانونية والسيادية التي ستعمل فيها الشركة داخل العراق، وعلى الضمانات التي سبقت منح الترخيص، ومدى قدرة الدولة العراقية على فرض سلطتها القانونية والرقابية على شركة أجنبية تدير بنية اتصالات فضائية عابرة للحدود.
لماذا لا أنتقد Starlink في الدنمارك؟
قد يسأل البعض:
الجواب بسيط.
نعم، خدمة Starlink مرخصة في الدنمارك، لكنها لا تعمل في فراغ قانوني، ولا تعمل وفق شروط تضعها الشركة وحدها.
فالدنمارك دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وتخضع لمنظومة قانونية ورقابية وقضائية متكاملة تحدد حقوق الشركات وواجباتها، وتنظم حماية البيانات، ونقلها، ومعالجتها، والوصول إليها.
وبذلك لا يكون السؤال في الدنمارك:
وإنما يكون السؤال:
ما الذي يحكم الشركات في الدنمارك وأوروبا؟
تعمل الشركات المقدمة للخدمات الرقمية والاتصالات داخل إطار قانوني ورقابي واسع يشمل، بحسب طبيعة كل خدمة واختصاص كل جهة:
- اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات GDPR.
- تشريعات الأمن السيبراني الأوروبية والوطنية.
- قواعد حوكمة البيانات الحكومية.
- تنظيم نقل البيانات عبر الحدود.
- قواعد تنظيم خدمات الاتصالات والمنصات الرقمية.
- متطلبات الإبلاغ عن بعض الاختراقات والحوادث الأمنية.
- الالتزام بالمعايير الأوروبية ذات الصلة بحماية البيانات والأمن السيبراني.
- الالتزامات الدولية المتعلقة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، ومنها اتفاقية بودابست بالنسبة للدول الأطراف فيها.
- منظومة قضائية وهيئات رقابية مستقلة تمتلك صلاحيات التحقيق والمساءلة وفرض العقوبات.
لذلك لا تحصل الشركات على حرية مطلقة لمجرد حصولها على ترخيص تجاري، بل تبقى خاضعة لمجموعة من الالتزامات القانونية والتنظيمية والفنية.
سلطة الجهات الرقابية الأوروبية
تستطيع الجهات الرقابية المختصة في الدنمارك وأوروبا، ضمن اختصاصاتها القانونية، مطالبة الشركات بتوضيح أو توثيق مسائل مهمة، من بينها:
- كيفية جمع البيانات ومعالجتها.
- الأغراض القانونية والتشغيلية لجمع البيانات.
- أماكن تخزين البيانات ومراكز معالجتها.
- الجهات التي يمكنها الوصول إلى البيانات.
- آليات نقل البيانات خارج المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
- مدة الاحتفاظ بالبيانات.
- التدابير الفنية والتنظيمية المستخدمة لحمايتها.
- آليات الاستجابة لطلبات أصحاب البيانات.
- الإجراءات المتبعة عند وقوع خرق أو تسريب للبيانات.
كما أن الشركات العالمية الكبرى، بما فيها الشركات الأمريكية، لا تستطيع تجاهل قرارات الهيئات الأوروبية من دون تبعات قانونية ومالية.
فقد تواجه الشركات عند مخالفة القوانين غرامات مالية كبيرة، أو أوامر بتعديل ممارساتها، أو تقييد بعض عمليات معالجة البيانات، وقد يصل الأمر في الحالات الجسيمة إلى الحد من بعض أنشطتها داخل السوق الأوروبية.
أما في العراق… هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية
لا ينبغي أن تفهم هذه الأسئلة على أنها اتهام لجهة أو شخص، وإنما يجب التعامل معها بوصفها أسئلة مؤسسية مشروعة تتعلق بمدى استعداد الدولة لاستقبال خدمة اتصالات فضائية عابرة للحدود.
- هل يمتلك العراق قانونًا متكاملًا ونافذًا لحماية البيانات الشخصية بمستوى اللائحة الأوروبية GDPR؟
- هل توجد هيئة وطنية مستقلة ومتخصصة لحماية البيانات، تمتلك صلاحيات التحقيق والتدقيق وفرض العقوبات؟
- هل توجد تشريعات واضحة وملزمة لحوكمة البيانات الحكومية؟
- هل توجد قواعد قانونية تنظم مكان تخزين بيانات المواطنين العراقيين وآليات انتقالها بين الدول ومراكز البيانات؟
- هل يتضمن الترخيص حق الدولة العراقية في التدقيق الفني والأمني على البنية المستخدمة لتقديم الخدمة؟
- هل تستطيع الجهات العراقية التحقق من طبيعة البيانات الوصفية Metadata الناتجة عن استخدام الشبكة؟
- هل حُددت الجهات التي يمكنها الوصول إلى هذه البيانات، ومدة الاحتفاظ بها، والأغراض التي يمكن استخدامها فيها؟
- هل توجد ضمانات وضوابط خاصة تمنع استخدام الخدمة داخل المؤسسات السيادية والعسكرية والأمنية بصورة غير مدروسة؟
- هل يمتلك العراق آلية قانونية فعالة لإلزام الشركة بتنفيذ القرارات القضائية والتنظيمية؟
- هل يمكن فرض عقوبات فعالة عند المخالفة، بما في ذلك تعليق الترخيص أو إلغاؤه ضمن إجراءات قانونية واضحة؟
- هل عُرضت شروط الترخيص على الجهات الأمنية والسيادية والرقابية المختصة؟
- هل أُجريت دراسة وطنية مستقلة لتقييم آثار الخدمة على الأمن القومي والسيادة الرقمية؟
- هل شملت دراسة المخاطر الجوانب الاستخباراتية والتشغيلية المرتبطة بالبنية التقنية التي تستند إليها الخدمة؟
هنا يكمن جوهر القضية
المقارنة الصحيحة ليست بين وجود Starlink في الدنمارك ووجودها في العراق.
بل بين المنظومة التي تحكم الشركة في كل دولة.
في الدنمارك وأوروبا
- قوانين نافذة لحماية البيانات.
- هيئات رقابية مستقلة.
- قواعد لنقل البيانات خارج الحدود.
- محاكم قادرة على فرض الأحكام.
- غرامات وعقوبات قابلة للتنفيذ.
- تشريعات للأمن السيبراني والاتصالات.
السؤال في العراق
- مامدى اكتمال قانون حماية البيانات الشخصية.
- مامدى اكتمال حوكمة البيانات الحكومية.
- هل يوجد جهة مستقلة لحماية البيانات.
- هل توجد القدرة الفعلية على التدقيق والمساءلة.
- هل يوجد قانون لتنظيم انتقال البيانات خارج العراق.
- هل يوجد قانون لحماية المؤسسات والبنى التحتية الحساسة.
أوروبا لم تبدأ بمنح الشركات الأجنبية حرية العمل ثم تفكر لاحقًا في كيفية تنظيمها، بل بنت أولًا منظومة تشريعية ورقابية متكاملة، ثم سمحت للشركات بالعمل وفق شروطها السيادية.
أما في العراق، فما زلنا بحاجة إلى استكمال منظومة تشريعية وطنية مترابطة تشمل:
- قانون حماية البيانات الشخصية.
- قانون حوكمة البيانات الحكومية.
- تشريعات حديثة ومتوازنة للجرائم الرقمية.
- إطارًا قانونيًا واضحًا لتنظيم انتقال البيانات عبر الحدود.
- قواعد خاصة بحماية البيانات السيادية والحكومية.
- آليات تدقيق ومساءلة خاصة بمزودي الخدمات الرقمية والفضائية الأجانب.
أنا لا أطالب بمنع Starlink
هناك فرق كبير بين الاستخدام المدني للخدمة، وبين إدخالها إلى البيئات الحكومية والسيادية الحساسة.
الاستخدام المدني
يمكن أن تكون الخدمة مفيدة للمواطنين والشركات في المناطق النائية، أو في المواقع التي لا تصل إليها شبكات الألياف الضوئية والاتصالات الأرضية بصورة كافية.
كما يمكن الاستفادة منها بوصفها وسيلة اتصالات مكملة في حالات الطوارئ والكوارث، ضمن ضوابط واضحة.
الاستخدام داخل المؤسسات الحساسة
يختلف الأمر عندما يتعلق الاستخدام بـ:
- الوزارات السيادية.
- المؤسسات الحكومية.
- الأجهزة الأمنية والاستخبارية.
- القوات المسلحة.
- غرف العمليات والقيادة والسيطرة.
- المنشآت النفطية ومحطات الطاقة.
- المطارات والموانئ والمعابر الحدودية.
- مراكز البيانات والبنى التحتية الوطنية الحساسة.
ففي هذه البيئات لا يكفي التعامل مع الخدمة بوصفها اشتراك إنترنت تجاريًا عاديًا، بل يجب إخضاعها لتقييم وطني مستقل للمخاطر، وضوابط أمنية وقانونية أكثر صرامة.
حتى الدنمارك لا تعتمد عليها كبنية أساسية
هناك نقطة يغفل عنها كثيرون عند مقارنة العراق بالدنمارك.
فالدنمارك لم تبنِ بنيتها التحتية الرقمية الأساسية على خدمة Starlink.
بل تعتمد بصورة رئيسية على:
- شبكات الألياف الضوئية Fiber.
- شبكات الاتصالات الأرضية الحديثة.
- شبكات الجيل الخامس 5G.
- مراكز البيانات والبنية الوطنية والأوروبية للاتصالات.
وتغطي هذه الشبكات معظم المدن والجزر الكبرى وشبه جزيرة يولاند، بينما يمكن أن تؤدي خدمات الإنترنت الفضائي أدوارًا محددة ومكملة في بعض المواقع البعيدة أو في الظروف الاستثنائية.
وتشمل الاستخدامات المحتملة:
- بعض الجزر أو المواقع البعيدة.
- المواقع التي يصعب ربطها بسرعة بشبكات أرضية.
- اتصالات الطوارئ أثناء الأزمات والكوارث.
- توفير مسار اتصال احتياطي عند تعطل الشبكات الأرضية.
خلاصة الحديث
إن موقفي ليس موقفًا ضد Starlink بوصفها تقنية، وليس تناقضًا بين قبولي بوجودها في الدنمارك وانتقادي لطريقة إدخالها إلى العراق.
موقفي هو أن التكنولوجيا نفسها قد تكون مناسبة وآمنة نسبيًا في دولة تمتلك قوانين قوية، وسيادة رقمية، وهيئات رقابية مستقلة، وآليات فعالة للمحاسبة، لكنها قد تتحول إلى مصدر مخاطر في دولة لا تمتلك الضمانات القانونية والفنية والمؤسسية الكافية.
ومن هنا، لا ينصب السؤال على الجهة التي منحت الترخيص، ولا على الأشخاص القائمين عليها، بل على مدى اكتمال البيئة التشريعية والتنظيمية التي تحكم هذا النوع من الخدمات العابرة للحدود.
فإذا كان العراق قد استكمل بالفعل القوانين والضمانات وآليات التدقيق والمساءلة اللازمة لحماية بيانات المواطنين والمؤسسات، فإن توضيح هذه الأطر للرأي العام والسلطة التشريعية من شأنه أن يعزز الثقة، ويؤكد أن القرارات الاستراتيجية تستند إلى أسس قانونية وفنية وأمنية واضحة.
أما إذا كانت بعض هذه التشريعات والضوابط لا تزال قيد الإعداد أو التطوير، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يتزامن التوسع في خدمات الاتصالات الفضائية مع استكمال الإطار القانوني والمؤسسي الكفيل بحماية البيانات والسيادة الرقمية.
