سيادة تحت مجهر المسيرات: لماذا يحتاج العراق إلى فك الارتهان الأمني باتفاقية الإطار الاستراتيجي؟
فهرس المقال
المقدمة
تشهد البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تحولات متسارعة، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية مع المصالح الوطنية. وفي هذا السياق، بات لزاماً على الدولة العراقية إعادة تقييم الاتفاقيات الأمنية بصورة دورية لضمان توافقها مع متطلبات السيادة. ويبرز هذا التحدي اليوم مع تحول العراق إلى ساحة لتصفيات إقليمية تُستخدم فيها تكنولوجيا عسكرية متطورة تنطلق من قواعد محيطة، مما يضع مفهوم “الشراكة الأمنية” تحت مجهر النقد الجاد.
منذ توقيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي عام 2008، كان الهدف المعلن هو دعم استقرار العراق وتطوير قدراته. غير أن الواقع الميداني كشف عن “فجوة سيادية” عميقة؛ حيث تُنفذ عمليات عسكرية جوية داخل المجال العراقي تمس قواته النظامية، وتحديداً “هيئة الحشد الشعبي” التي يُقر القانون العراقي رقم (40) لسنة 2016 بأنها جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة. إن استهداف هذه المقرات بواسطة طائرات مسيرة متطورة مثل MQ−9 Reaper — والتي تشير المعطيات الجيو-عسكرية إلى انطلاقها من قواعد إقليمية قريبة كقاعدة “موفق السلطي” أو غيرها من مراكز التمركز الأمريكي في المنطقة يضع الدولة العراقية أمام حرج قانوني وسيادي يستوجب التحرك.
أولاً: مراجعة الاتفاقية ومعالجة “الازدواجية القانونية”
ينبغي إجراء تقييم مؤسسي شامل لاتفاقية الإطار الاستراتيجي ينهي حالة “الفرز العملياتي” التي تمارسها القوى الدولية. فلا يمكن قبول اتفاقية تُصنف الدولة كـ “شريك” بينما تُستهدف مؤسساتها الأمنية الرسمية بذريعة مكافحة الأرهاب. إن مراجعة الاتفاقية يجب أن تضمن للعراق الحق في الإشراف الكامل على مسارات الطيران الحربي والمسير فوق أراضيه، ومنع استخدام القواعد الإقليمية في دول الجوار كمنطلقات لضرب أهداف داخل العمق العراقي دون موافقة القائد العام للقوات المسلحة.
ثانياً: تنويع مصادر التسليح وكسر “الارتهان التقني”
تعتمد السيادة الحقيقية على مرونة القرار العسكري، وهو ما لا يتحقق مع الاعتماد على مورد واحد يمتلك “مفاتيح” المنظومات الرادارية والدفاعية. إن امتلاك العراق لمنظومات دفاع جوي وحرب إلكترونية (Electronic Warfare) من مناشئ دولية متنوعة (آسيوية أو أوروبية) لم يعد خياراً ترفيهياً، بل هو ضرورة لإنهاء حالة “العمى الاستراتيجي” تجاه الطائرات المسيرة بعيدة المدى التي تخترق الأجواء لتنفيذ عمليات جراحية دون رصد أو اعتراض.
إن الأجواء العراقية تبدو اليوم أكثر عرضة للاستباحة لأن الدولة لا تمتلك حتى الآن خطة وطنية واضحة ومتكاملة لحماية المجال الجوي على غرار الدول ذات السيادة الراسخة، التي تنظر إلى الدفاع الجوي بوصفه جزءاً من بنية الأمن القومي لا مجرد ملف تسليحي منفصل. فالمشكلة لا تتعلق فقط بنقص بعض المنظومات أو تأخر بعض العقود، بل بغياب رؤية تشغيلية وطنية متماسكة تحدد كيف يُبنى الغطاء الجوي العراقي، وكيف تُوزع أدوار الكشف والإنذار والقيادة والسيطرة والاعتراض والحماية السلبية ضمن معمار دفاعي واحد.
ومن هنا فإن الفكرة التي ينبغي أن تحكم هذا المسار هي أن الدفاع الجوي الحديث لم يعد مجرد شراء صواريخ بعيدة المدى، بل أصبح “نظام منظومات” متكامل، يبدأ من طبقات كشف وإنذار مبكر، ويمر بطبقات قيادة وسيطرة ودمج بيانات، ثم بطبقات اعتراض متفاوتة المدى والارتفاع، وصولاً إلى دفاع قريب جداً ضد المسيّرات والذخائر الجوالة، مع تضمين الدفاع السلبي وحماية البنى الحيوية والقواعد ومراكز القيادة. كما أن هذا النظام لا يكتمل إلا إذا ارتبط عضوياً بالقوة الجوية والحرب الإلكترونية والتمويه والانتشار وإعادة الاستمرارية، لأن السيادة الجوية لا تُحمى بمنظومة منفردة، بل بهندسة دفاعية مرنة ومتعددة الطبقات والوظائف.
ثالثاً: بناء قدرات الردع والإنذار المبكر
إن التقارير التي تتحدث عن توسعة القواعد الجوية في المنطقة لاستيعاب أسراب الطائرات المسيرة الهجومية تحتم على العراق بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية وطنية. إن بناء منظومة إنذار مبكر مستقلة، وتطوير قدرات محلية في مجال صيانة وتصنيع الطائرات المسيرة وأنظمة التشويش، هو السبيل الوحيد لضمان عدم بقاء الأجواء العراقية ساحة مفتوحة لعمليات “الاغتيال الموجه” أو ضرب المقرات الأمنية.
وهذا يعني عملياً أن الردع الحقيقي لا يتحقق فقط بامتلاك وسائل اعتراض، بل ببناء دورة دفاعية كاملة تبدأ بالاستشعار المبكر، ثم التعرف والتصنيف، ثم نقل الصورة الجوية في الزمن الحقيقي إلى مراكز القيادة، ثم اتخاذ القرار، ثم تفعيل الوسيلة الأنسب للاعتراض أو التشويش أو الإخفاء أو تقليل الأثر. وفي هذا السياق، فإن الأدبيات الأطلسية والدراسات الحديثة تؤكد باستمرار على ضرورة الجمع بين active defense وpassive defense، أي بين الدفاع الفعال الذي يسعى إلى كشف التهديد واعتراضه، والدفاع السلبي الذي يهدف إلى تقليل قابلية الأهداف للكشف أو التدمير أو الشلل العملياتي.
كما أن حماية المجال الجوي في عصر المسيّرات لا تنفصل عن مرونة القواعد والمنشآت العسكرية والمدنية الحساسة، ولا عن قابلية إعادة الانتشار، واستمرارية التشغيل بعد الضربة، ووجود بنى احتياطية واتصالات بديلة ومراكز قيادة مرنة. لذلك فإن بناء قدرات الردع والإنذار المبكر في العراق ينبغي أن يُفهم بوصفه مشروع دولة متكامل، يربط بين التكنولوجيا والعقيدة والتنظيم والتمويل والتدريب، لا مجرد استجابة ظرفية لهجوم هنا أو خرق هناك.
رابعاً: إعادة صياغة التحالفات وفق مبدأ المصلحة الوطنية
السياسة الواقعية تقتضي أن تكون التحالفات مرنة. وبحكم موقعه الجيوسياسي، يجب على العراق أن يتبع سياسة توازن تمنع تحويل أراضيه أو أراضي جيرانه إلى منصات تهديد متبادل. إن أي اتفاقية لا تمنع الانتهاكات المتكررة للسيادة تحت مسميات “العمليات العابرة للحدود” هي اتفاقية تحتاج إلى إعادة نظر جذرية لتتوافق مع هيبة الدولة.
خاتمة
إن السيادة الوطنية لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء منظومة قرار تمتلك أدوات القوة. إن مراجعة الاتفاقيات الأمنية وتنويع مصادر التسليح ليست خطوات تصعيدية، بل هي أدوات طبيعية لأي دولة تسعى لحماية أمنها القومي. إن المرحلة المقبلة تتطلب التفكير بمنطق الدولة طويلة الأمد؛ حيث يكون الهدف النهائي هو بناء منظومة أمنية عراقية قادرة على حماية السماء والأرض والقرار الوطني، دون ارتهان لأي قوة خارجية أو قبول بأن تكون الأراضي العراقية هدفاً لغارات تنطلق من وراء الحدود.
