الحلقة 3 – تسريبات أدوارد سنودن: وحدة التجميع الخاصة SCS… اليد الخفية في عالم التنصت.

الحلقة 3 – تسريبات أدوارد سنودن: وحدة التجميع الخاصة SCS… اليد الخفية في عالم التنصت

الحلقة 3 – تسريبات أدوارد سنودن: وحدة التجميع الخاصة SCS… اليد الخفية في عالم التنصت

✍️ إعداد: المهندس مصطفى كامل الشريف
مستشار في أمن المعلومات والسيادة الرقمية – الدنمارك / العراق
هذه المقالة هي الحلقة الثالثة ضمن «سلسلة ملفات سنودن: خريطة منظومات التجسس الرقمي في خمس حلقات»، التي تكشف مستويات المراقبة العالمية عبر برامج التجسس من داخل الشركات، ومن تحت البحار، ومن فوق الأسطح، ومن داخل أنظمة التشفير، وصولًا إلى الوحدات الميدانية السرّية التي أعادت تشكيل مفهوم التنصّت الحديث.

أولًا: تمهيد – من المراقبة الشبكية إلى اليد الخفية

في الحلقتين السابقتين، تناولنا برنامج PRISM الذي يجمع البيانات من داخل الشركات الأمريكية، وبرنامج Tempora الذي يعترض البيانات عبر الكابلات البحرية. لكنّ منظومة التجسس الأمريكية تضم مستوى أعمق لا يعتمد على الشبكات العامة، بل على اختراق البيئة المادية للمعلومة نفسها. هنا تظهر وحدة التجميع الخاصة SCS بوصفها «اليد الخفية» التي تعمل داخل الغرف المغلقة لا فوق الأسلاك.

جوهر الفكرة: إذا كانت PRISM وTempora تتجسسان على تدفق البيانات، فإن SCS تتجسس على لحظة ولادة البيانات نفسها.

ثانيًا: نشأة وحدة التجميع الخاصة (SCS)

تأسست وحدة التجميع الخاصة SCS عام 1978 في ذروة الحرب الباردة، كمشروع مشترك بين وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA ووكالة الاستخبارات المركزية CIA. كان الهدف تجاوز حدود التنصّت التقليدي، عبر الدخول إلى المكاتب والسفارات وغرف الاجتماعات الحساسة وزرع أجهزة تنصت دقيقة لا يمكن اكتشافها بسهولة.

المقر الرئيسي – بيلتسفيل

يقع المركز العملياتي للوحدة في منشأة سرية محصنة قرب واشنطن في بيلتسفيل – ماريلاند، ويعمل تحت غطاء مشاريع الاتصالات الدبلوماسية، مما يسمح بإدارة آلاف نقاط التجسس الميدانية دون لفت الانتباه.

خلاصة الخلفية: SCS ليست وحدة تقليدية، بل تحالف بين الهندسة الميدانية والهندسة المعلوماتية، يجمع القوة التقنية للـNSA مع القدرات العملياتية للـCIA.

ثالثًا: المهام والانتشار العالمي

تُعد SCS من أكثر وحدات الاستخبارات الأمريكية سرّية، وتشمل مهامها:

  • زرع أجهزة تنصت داخل السفارات والمباني الحكومية والعسكرية الحساسة.
  • اختراق الأنظمة الإلكترونية من الداخل دون المرور بالشبكات العامة.
  • إقامة نقاط تنصت سرية داخل البعثات الأمريكية.
  • مرافقة القوات العسكرية لتوفير تغطية استخبارية سريعة.

غطاء دبلوماسي

يعمل أغلب عناصر SCS تحت غطاء دبلوماسي كملحقين تقنيين ومسؤولي اتصالات، مما يمنحهم حرية الحركة والحصانة.

انتشار عالمي

تشير وثائق سنودن إلى وجود نشاط لـSCS في أكثر من 80 دولة، بما في ذلك دول صديقة وحليفة، ما يعكس أن الاستخبارات الأمريكية لا تستثني أحدًا حين يتعلق الأمر بالمصلحة الاستراتيجية.

مفهوم مهم: في فلسفة SCS، لا أحد خارج نطاق المراقبة إذا كان الهدف حماية المصالح الأمريكية.

رابعًا: العمليات الميدانية – من الحرب الباردة إلى أبوت آباد

1. الحرب الباردة

زرعت SCS أجهزة تنصت داخل الحمامات المحاذية للسفارة السوفييتية في واشنطن، مستغلة زوايا هندسية تتيح التقاط المحادثات من غرف الاجتماعات السرية.

2. الاختراق من الداخل – قضية روبرت هانسن

سرّب العميل في الـFBI روبرت هانسن معلومات حساسة عن عمليات SCS إلى روسيا، مما كشف حجم حساسية الوحدة لدرجة أن الـFBI وصف البرنامج بأنه «عالِ القيمة والأهمية للحكومة الأمريكية».

3. أفغانستان – تتبع بن لادن

زرعت فرق SCS أجهزة داخل أجهزة الراديو التكتيكية لمعسكرات القاعدة، مما ساعد في تحديد تحركات التنظيم قبل وبعد عمليات 1998 في أفريقيا.

4. الصين – الطائرة الرئاسية

في 2001، اكتشفت الصين 27 جهاز تنصت داخل طائرة رئاسية مخصصة لجيانغ زيمين، وهي واحدة من أبرز عمليات SCS المثيرة للجدل.

5. العراق – قبل الغزو وبعده

كانت SCS «المحرّك الرئيسي» لاعتراض الاتصالات العراقية، من الموجات الميكروية إلى مواقع القيادة. وبعد الغزو، شاركت في تعقب صدام حسين عبر زرع أجهزة في مواقع محتملة لوجوده.

6. أبوت آباد – النهاية

استخدمت فرق SCS أشعة ليزر موجهة لنوافذ مجمع بن لادن في باكستان لرصد اهتزازات الزجاج وتحليل عدد الأشخاص داخل المبنى، قبل تنفيذ عملية 2011.

النتيجة: هذه العمليات تظهر أن SCS ليست مجرد وحدة تنصت، بل هندسة كاملة للبيئة المحيطة بالهدف.

خامسًا: التقنيات المستخدمة

1. أجهزة ميكروية

تُزرع في الجدران، الأثاث، المقابس الكهربائية، والطابعات، وتعمل بطاقة منخفضة تجعل اكتشافها صعبًا.

2. الميكروفونات الليزرية

تُوجَّه أشعة ليزر إلى نوافذ المباني، وتحول الاهتزازات الدقيقة الناتجة عن الكلام إلى بيانات صوتية قابلة للتحليل.

3. تشغيل عن بُعد

تُفعَّل الأجهزة عبر الأقمار الصناعية أو إشارات لاسلكية دقيقة، لتقليل احتمال اكتشافها.

زاوية سيبرانية: التحدي الحقيقي للدول اليوم هو حماية البيئة الفيزيائية نفسها، وليس فقط حماية الشبكات الرقمية.

سادسًا: STATEROOM – السفارات كمراكز تجسس

برنامج STATEROOM، الذي كشفته وثائق سنودن، هو شبكة محطات اعتراض إشارات تُدار من داخل السفارات والقنصليات ضمن تحالف العيون الخمس (Five Eyes).

العلاقة مع SCS

يعمل برنامج STATEROOM كمنصة، بينما تعمل SCS كذراع ميدانية تنفذ عمليات الزرع والتشغيل داخل المباني الدبلوماسية.

فضائح

  • التجسس على هاتف المستشارة الألمانية ميركل.
  • استخدام سفارات أسترالية وبريطانية كمواقع اعتراض في آسيا وأوروبا.
انعكاس سيادي: حين تتحول السفارات إلى أدوات تجسس، تتآكل الثقة بين الدول وينهار مفهوم العلاقات الدبلوماسية التقليدية.

سابعًا: الأبعاد القانونية والسيادية

اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تمنع استخدام البعثات في أنشطة تتعارض مع مهامها، لكن برامج مثل SCS تتجاوز هذه الحدود عمليًا دون قدرة الدول الضعيفة على مواجهتها.

من سيادة الأرض إلى سيادة البيانات

السيادة اليوم تشمل حماية المعلومات والبنى التحتية الرقمية. والاختراقات من داخل السفارات تهدد هذه السيادة بطرق جديدة.

سؤال: كيف تثبت دولة نامية أن سفارة أجنبية تستضيف محطة تجسس؟ وماذا تفعل إذا ثبت ذلك؟

ثامنًا: العراق في مرمى التجسس

لماذا العراق هدف مثالي؟

  • أهمية جيوسياسية عالية.
  • هشاشة بنى الأمن الرقمي.
  • تنوع مزودي الاتصالات وضعف المعايير.

قبل وبعد 2003

قبل 2003، ركزت SCS على اعتراض الاتصالات العسكرية. وبعد الغزو، امتد الدور إلى متابعة المقاومة، والجماعات الإرهابية، والشخصيات المؤثرة.

زاوية عراقية: لا يمكن بناء مشروع سيادة رقمية في العراق دون فهم حجم النشاط الاستخباري الخارجي في البيئة المعلوماتية.

تاسعًا: الخلاصة والتوصيات

1. التشفير وحده لا يكفي

التجسس يبدأ أحيانًا من الجدار والمقبس والطاولة، لا من شبكة الإنترنت.

2. السفارات ليست دائمًا مواقع “آمنة” سياسيًا

قد تكون نقاط ضعف أمنية ينبغي مراقبتها بحكمة.

3. الحاجة إلى عقل دولة

مواجهة SCS تتطلب دمج الأمن السيبراني مع الدبلوماسية والقانون والعمل الاستخباري.

رسالة الحلقة: من لا يملك سيادته على بيئته المادية والمعلوماتية، ستُدار معلوماته من غرف مغلقة خارج حدوده.

عاشرًا: المصادر والمراجع

  • وثائق سنودن حول SCS وبرنامج STATEROOM.
  • تقارير Der Spiegel وThe Guardian عن التجسس على ميركل.
  • كتب جيمس بامفورد حول NSA.
  • تحقيقات عن الحرب على الإرهاب ودور التنصت الميداني SIGINT.
  • مصادر تحليلية مفتوحة عن مقر بيلتسفيل وعلاقة SCS بالبنية الدبلوماسية الأمريكية.

يمنع إعادة النشر بدون ذكر اسم الكاتب

لمن يرغب بمشاركة هذه الحلقة من سلسلة ملفات سنودن – مع أطيب تحياتي – م. مصطفى كامل الشريف

Facebook X (Twitter) WhatsApp