بقلم: م/مصطفى كامل الشريف
مستشار في أمن المعلومات و الشبكات
المقدمة
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط في البر والبحر والجو والفضاء، فقد دخلنا اليوم إلى ميدان الحرب الخامسة: وهو الطيف الكهرومغناطيسي، حيث الموجات والإشارات التي تحمل أصواتنا وبياناتنا وأوامرنا العسكرية. هنا تختلط المصطلحات العسكرية بالتقنية. فالعسكري يتحدث عن “الحرب الخامسة“، والتقني يتحدث عن “الأمن السيبراني“. لكن الحقيقة أن الاثنين وجهان لعملة واحدة.
يظن الكثير أن حماية الدولة في العصر الرقمي تتحقق فقط عبر فروع أمن المعلومات و منها الأمن السيبراني، أي تأمين الحواسيب والشبكات والبيانات من الاختراقات والتخريب و السرقة. لكن الأمن السيبراني لا يعيش في فراغ؛ فهو يعتمد على طريق خفي تمر فيه كل البيانات، هو الطيف الكهرومغناطيسي.
فكما أن الجيش لا يكتفي بحماية الأرض دون السماء، فإن الدولة لا تستطيع الاكتفاء بحماية “المعلومة” فقط (عبر الأمن السيبراني) دون حماية “الموجة التي تنقلها” (عبر عمليات الطيف الكهرومغناطيسي).
بهذا المعنى، يمكننا القول إن الأمن السيبراني يحمي القلب، بينما عمليات الطيف الكهرومغناطيسي – EMSO تحمي الشرايين التي تنقل الدم. ومن دون هذا التكامل، تبقى السيادة الوطنية مكشوفة أمام خصوم قادرين على التشويش والخداع وشلّ الأنظمة الحيوية في لحظة واحدة.
هدف هذه الدراسة: بيان أهمية السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي للعراق، وطرح خارطة طريق عملية لصانع القرار لتعزيز السيادة في ميدان الحرب الخامسة.
الأعمدة الثلاثة ل عمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO)
أولاً: الرصد والاستخبارات – العين والأذن
- القدرة على سماع العدو قبل أن يتكلم ورؤية تحركاته قبل أن يطلق النار.
- من خلال مراقبة الإشارات والذبذبات، نستطيع كشف نشاط الخصم وتحديد موقع طائراته المسيّرة ورصد أنماط اتصالاته.
- إنها أشبه بالرادار الخفي الذي يمنح العراق إنذارًا مبكرًا قبل أن تقع الكارثة.
الثاني : الهجوم الإلكتروني – السلاح الخفي
يجعلنا الهجوم الإلكتروني أن نمتلك القدرة على شلّ العدو وإرباكه عبر:
- التشويش لقطع اتصالاته.
- الخداع لإرسال إشارات مزيفة تُضلل صواريخه وتُرغم مسيّراته على العودة أو السقوط.
الهجوم الإلكتروني هو القوة التي تجعل العدو أعمى وأصمّ في لحظة حرجة، حتى وإن كان يمتلك أسلحة متقدمة.
الثالث: الدفاع الإلكتروني – الدرع الواقي
- كما يحتاج الجندي إلى درع يقيه من الرصاص، تحتاج الدولة إلى درع يحمي اتصالاتها وراداراتها من التشويش والخداع.
- يضمن بقاء الشبكات العسكرية والمدنية عاملة حتى عند محاولة العدو تعطيلها.
- بدون هذا الدرع، قد تتوقف أوامر القيادة وتُشلّ البنى التحتية الحيوية.
بهذه الأعمدة الثلاثة – الرصد والاستخبارات ، الهجوم الإلكتروني ،الدفاع الإلكتروني – ندرك أن السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي ليست ترفًا تقنيًا، بل أساسًا لحماية السيادة الوطنية العراقية.
التكامل مع الأمن السيبراني
قد يظن البعض أن الاستثمار في الأمن السيبراني وحده كافٍ لحماية العراق، لكنه لا يكتمل إلا إذا ارتبط بعمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO).
- الأمن السيبراني يحمي المعلومة نفسها — البيانات والأنظمة والبرمجيات.
- عمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO) تحمي الموجة والترددات والإشارات التي تعبر الأثير، والتي تُعد الطريق لنقل البيانات.
ومن دون هذا التكامل، يصبح العراق مكشوفًا أمام خصوم قادرين على التشويش والخداع، بحيث يفقد الجيش اتصالاته أو تُعطَّل مؤسسات الدولة في لحظة حرجة.
إن الدفاع في ميدان الحرب الخامسة لا يعني الاختيار بين السيبراني والطيف، بل الجمع بينهما.
جدول المقارنة
| العنصر | الأمن السيبراني (Cybersecurity) | عمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO) |
| المجال | حماية البيانات والأنظمة في الحواسيب والشبكات | حماية الإشارات والاتصالات عبر الموجات/الفضاء |
| نطاق الحماية | البيانات في (التخزين) وأثناء النقل عبر الكابلات | البيانات أثناء النقل عبر الهواء/الفضاء |
| التهديدات | فيروسات، اختراق، تسريب بيانات، هجمات DDoS | التشويش، التنصت، الخداع بالإشارات، انتحال القنوات |
| الأدوات | التشفير، الجدران النارية، أنظمة كشف التسلل | التشفير اللاسلكي، القفز الترددي، مضادات التشويش |
| المثال | حماية بريدك الإلكتروني وكلمة مرورك | حماية إشارة GPS من التشويش أو التزييف |
| التشبيه | “القلب/العقل” الذي يحمي المعلومة نفسها | “الشرايين” التي تحمل المعلومة عبر الفضاء |
الخلاصة:
- الأمن السيبراني = يحمي المعلومات.
- عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO = يحمي الطريق الذي تسلكه المعلومات.
معًا يشكلان درعًا مزدوجًا: واحد للمعلومة، والثاني للمسار.
التهديدات المباشرة للعراق
- التهديدات الإقليمية: دول الجوار تطوّر قدرات عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO – بسرعة، والعراق متأخر في هذا المجال و قد يبقى هدفًا سهلًا إن لم يلحق الركب.
- المسيّرات الرخيصة: أصبحت في متناول جماعات مسلحة، وقادرة على ضرب المدن والمنشآت النفطية.
- التحول الرقمي: بناء حكومة إلكترونية واقتصاد رقمي سيظل هشًا إذا بقيت إشاراته مكشوفة للتشويش والاعتراض.
هل يمكن لـ عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO-تعويض ضعف الدفاع الجوي؟
الثغرة في الدفاع الجوي العراقي
يعاني العراق من فجوة واضحة في قدرات الدفاع الجوي التقليدي، خصوصًا في مواجهة التهديدات الحديثة مثل الطائرات المسيّرة (Drones) ذات البصمة الرادارية الصغيرة جدًا والتي لا ترصدها الرادارات الكلاسيكية بسهولة. هذه الفجوة تجعل الأجواء مكشوفة أمام خصوم يمتلكون تقنيات متطورة.
أهمية عمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO) كخطة “ب”
هنا تبرز قيمة EMSO كمنظومة رديفة و”خطة بديلة” لتعويض هذا النقص. EMSO لا تعتمد على إطلاق صواريخ باهظة الثمن، بل على التحكم بالموجة والتردد التي تستخدمها المسيّرات في التواصل والملاحة.
1. الرصد الإلكتروني (Electronic Surveillance)
- الدور: مراقبة البيئة الكهرومغناطيسية لاكتشاف إشارات اتصالات أو ملاحة تصدرها المسيّرات.
- الأهمية: المسيّرات الصغيرة غالبًا لا تُرى على الرادار التقليدي، لكنها تبقى مرتبطة بقنوات بث لاسلكية أو GPS يمكن كشفها.
- كيف يكمل الدفاع الجوي؟ يعطي إنذارًا مبكرًا لمراكز الدفاع الجوي قبل أن تدخل المسيّرة في مدى الخطر، ما يتيح وقتًا للرد.
2. التشويش والخداع (Jamming & Deception)
- التشويش: بث موجات قوية تغطي على إشارة التحكم بين المسيّرة ومشغلها، مما يفقدها التوازن أو يجبرها على الهبوط.
- الخداع: إرسال إشارات مضللة، مثل أوامر GPS مزيفة، لتغيير مسار المسيّرة أو إرجاعها إلى نقطة انطلاقها.
- كيف يكمل الدفاع الجوي؟ بدلًا من استخدام صاروخ بمئات آلاف الدولارات لإسقاط مسيّرة لا يتجاوز ثمنها ألف دولار، يوفر EMSO وسيلة اقتصادية وفعالة للرد.
3. حماية البنى التحتية (Infrastructure Protection)
- الدور: تعطيل أي محاولة لمسيّرة لنقل بث فيديو مباشر أو أوامر تحكم إلى مهاجم بعيد.
- الأهمية: يمنع الخصم من استخدام المسيّرة للاستطلاع أو تنفيذ هجمات دقيقة ضد منشآت حيوية (محطات كهرباء، قواعد عسكرية، مطارات).
- كيف يكمل الدفاع الجوي؟ يعطي وقتًا إضافيًا لوحدات الدفاع الجوي لتحديد التهديد والتعامل معه قبل أن يُحدث ضررًا مباشرًا.
4. التكامل الاستراتيجي بين الدفاع الجوي وEMSO
- الدفاع الجوي = السيف: وسيلة هجومية مباشرة لإسقاط الهدف (صواريخ أرض-جو، مدافع مضادة للطيران).
- EMSO = الدرع الخفي: وسيلة غير مرئية تسبق المعركة، تشل العدو وتُضعف قدراته قبل أن يقترب من الهدف.
5. معًا، يشكلان معادلة دفاع متكاملة:
- عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO يكشف ويعطل.
- الدفاع الجوي يوجّه الضربة القاضية عند الحاجة.
الخلاصة
العراق بحاجة إلى دمج الدفاع الجوي التقليدي مع قدرات عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO، ليكون قادراً على مواجهة تهديد المسيّرات الحديثة بفعالية اقتصادية وعسكرية. فالاعتماد على أحدهما فقط يترك فجوة خطيرة، أما الجمع بينهما فيوفر مظلة حماية شاملة:
- الرادار: يرى ما هو كبير.
- عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO: يسمع ويرى ما هو خفي.
- الدفاع الجوي: يضرب الهدف.
الدروس من الحروب الحديثة
أوكرانيا نموذجًا:
- حرب المسيّرات = حرب السيطرة على الطيف.
آلاف المسيّرات تعمل يوميًا، لكن نجاحها يعتمد على الاتصالات. - التفوق بالتحكم بالموجة لا بعدد المسيّرات.
الجبهات تحولت إلى مناطق صامتة بفضل التشويش المكثف. - الدرس للعراق:
عبر تطوير منظومات عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO المتقدمة، يمكن للعراق تحييد المسيّرات حتى دون امتلاك شبكة دفاع جوي متكاملة.
توصيات لصانع القرار العراقي
خارطة الطريق العراقية ل عمليات الطيف الكهرومغناطيسي EMSO تتوزع على سبعة محاور
- قرار سياسي وتنظيمي
- عقيدة وقواعد اشتباك
- طبقات حماية الأجواء (CUAS)
- قدرات تقنية أساسية
- تنمية بشرية وصناعة وطنية
- إطار قانوني وحوكمة
- قياس الأداء والشفافية
مع تفاصيل المحاور والخطة التنفيذية المرحلية كما في النص الأصلي.
خارطة الطريق العراقية لعمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO)
1. القرار السياسي والتنظيمي
- تعيين قائد وطني للطيف الكهرومغناطيسي تحت مجلس الأمن القومي، بصلاحية التنسيق بين الدفاع الجوي، الاستخبارات، الاتصالات، وهيئة الإعلام والاتصالات.
- تأسيس المركز العراقي لعمليات الطيف الكهرومغناطيسي (ICEMSO) كغرفة عمليات مشتركة (Joint Ops) تتكامل مع الدفاع الجوي والدفاع السيبراني.
2. العقيدة وقواعد الاشتباك
- إقرار عقيدة وطنية لـ EMSO تُعرّف الرصد/الهجوم/الدفاع وأولويات الاستخدام ضد المسيّرات والتهديدات الجوية.
- اعتماد قواعد اشتباك إلكترونية (EROE) تُوازن بين الفاعلية وحماية المدنيين ومنع التداخل مع شبكات الدولة.
3. طبقات حماية الأجواء (CUAS) – مكمّل للدفاع الجوي
- طبقة كشف: حساسات ترددات RF، رادارات منخفضة الاحتمال للاكتشاف (LPI)، وكاميرات حرارية/بصرية.
- طبقة تعطيل: تشويش موجّه على روابط C2 وGNSS، وخداع محكم (حيثما يسمح القانون).
- طبقة إسقاط: وسائل نارية/حركية عند الضرورة وبعد استنفاد أدوات EMSO.
4. القدرات التقنية الأساسية
- إنشاء شبكة وطنية للرصد الطيفي (Spectrum Situational Awareness) تربط القواعد وسرايا الحدود.
- نشر حزم محمولة لمكافحة المسيّرات (Backpack/Vehicle-mounted EW) للوحدات الشرطية والعسكرية.
- تطوير مختبرات SDR (راديو معرف برمجياً) محليًا للتجربة والاختبار.
- تعزيز أمن الاتصالات (COMSEC) عبر التشفير ومكافحة الخداع.
5. التنمية البشرية والصناعة الوطنية
برنامج تدريبي بثلاث مستويات:
- صُنّاع قرار (استراتيجية).
- قادة عمليات (تكتيك).
- فنيون (تشغيل واختبار).
- شراكات مع الجامعات ومراكز البحث لتطوير: هوائيات، وحدات SDR، وبرمجيات كشف/تشويش.
6. الإطار القانوني والحوكمة
- تحديث تشريعات إدارة الطيف العسكري/المدني وتحديد مسؤوليات التدخل عند الطوارئ.
- إنشاء هيئة تقييم أثر التداخل لحماية خدمات الإسعاف والطيران المدني والبنى التحتية.
7. قياس الأداء والشفافية
- إطلاق لوحة قيادة وطنية (SSA Dashboard) بمؤشرات أداء رئيسية:
- زمن اكتشاف المسيّرة (ثوانٍ/دقائق).
- نسبة تعطيل ناجح للروابط.
- وقت الاستجابة من الإنذار إلى الإجراء.
- نسبة تغطية الرصد (% من السماء والحدود).
8. المخاطر التي يجب تجنّبها
- التداخل غير المنضبط مع خدمات الطوارئ والطيران المدني.
- الاعتماد الكلي على المشتريات الجاهزة دون نقل معرفة.
- الإدارة المجزأة بلا قيادة موحدة.
- إهمال حماية الخصوصية عند الرصد داخل المدن.
الخاتمة التنفيذية
إن السيادة في زمن الموجات لا تُشترى بصاروخ واحد، بل تُبنى بشبكة وعي طيفي، قدرات تشويش وخداع، وعقيدة موحّدة تتكامل مع الدفاع الجوي والأمن السيبراني. “عمليات الطيف الكهرومغناطيسي (EMSO)” ليست بديلاً عن الدفاع الجوي، بل مكمل ذكي يمنع الخطر من الوصول ويُضعفه قبل أن يتحول إلى كارثة.
القرار اليوم وليس غداً هو ما سيجعل سماء العراق صعبة على الخصوم، وآمنة على أهله وبناه التحتية.
السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي لم تعد ترفًا عسكريًا، بل أصبحت ركنًا من أركان السيادة الوطنية العراقية الحديثة.
من دون السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، لا يمكن الحديث عن سيادة عراقية مكتملة
