بقلم: المهندس مصطفى كامل الشريف
مستشار في أمن المعلومات والشبكات
المقدمة
في ظل التصعيدات الأمنية الأخيرة وخطر تدمير البنى التحتية العسكرية و الأقتصادية الحساسة كحقول النفط والغاز و السدود ، تفرض الحاجة لتقنيات منخفضة الكلفة وسريعة الانتشار نفسها بقوة. لم تعد الحلول التقليدية كالاعتماد على الكوادر الميدانية أو الأنظمة الأرضية البطيئة كافية للاستجابة لواقع متغير ومعقّد. الطائرات المسيّرة (Drones) تطرح نفسها اليوم كواحدة من أبرز الحلول الذكية التي يمكنها أن تحلّق فوق العراق لحمايته وتنميته، إن توفرت لها رؤية وطنية متكاملة.
بيئة عراقية تبحث عن حلول ذكية
العراق بلد واسع، ذو تضاريس معقّدة وحدود ممتدة، يعاني من مشاكل أمنية متكررة، واعتداءات على البنى التحتية، فضلًا عن كوارث بيئية موسمية تبدأ بحرائق الأراضي الزراعية و حوادث الحرائق في الاماكن الحيوية . في ظل هذا الواقع، لا تبدو الحلول التقليدية كالدوريات الميدانية أو أنظمة المراقبة الثابتة قادرة على تغطية الحاجة الفعلية. هنا تبرز الطائرات المسيّرة كحل تقني منخفض التكلفة، سريع النشر، وعالي الفاعلية.
المسيّرات في خدمة الأمن والسيادة
تمثل الحدود البرية للعراق، لاسيما مع سوريا والسعودية، تحديًا متواصلًا في مراقبة التسللات، التهريب، والنشاطات المشبوهة. الطائرات المسيّرة المزودة بكاميرات حرارية أو أجهزة رادارية قادرة على مسح المناطق الصحراوية والجبلية بكفاءة عالية، وإرسال صور حية إلى غرف العمليات الأمنية. يمكن كذلك برمجة المسيّرات على مسارات محددة تقوم بتغطيتها تلقائيًا دون تدخل بشري مباشر، مما يوفر الوقت والموارد ويقلل المخاطر.
حماية البنية التحتية الحيوية
تعاني أبراج شبكات الكهرباء و أنابيب النفط الناقلة في العراق من الاعتداءات المتكررة، سواء بدافع السرقة أو التخريب و الأرهاب. المسيّرات قادرة على تتبع خطوط الضغط العالي، رصد التعديات على محطات التوزيع، وحتى فحص أبراج النقل من الجو دون الحاجة إلى إيقاف الخدمة. كما يمكن توظيفها لمراقبة أنابيب النفط و أنبيب المياه العملاقة والتأكد من عدم وجود تخريب أو تسريبات أو كسور.
رصد التلوث والحرائق والتجاوزات
في الجانب البيئي، تُعدّ الطائرات المسيّرة أداة ثمينة لرصد الظواهر التي يصعب تتبعها ميدانيًا. من مراقبة التلوث في مصافي النفط، إلى تتبع انبعاثات المصانع، إلى مسح الأراضي الزراعية المهددة بالتصحر، يمكن للمسيّرات أن توفر بيانات لحظية تساعد في اتخاذ قرارات دقيقة وفعالة.
أما في حالات الحرائق أو الانفجارات الصناعية، فإن الطائرات المسيّرة تُمكّن فرق الدفاع المدني من تقييم الوضع ميدانيًا دون تعريض الأفراد للخطر، وتحديد نطاق الحريق ومصادره، بل واكتشاف إن كانت هناك مؤشرات على تعمد أو إهمال.
حين تُصبح “الثواني” لها قيمة في حياة المواطنين: دروس من حريق الكوت
قبل أيام، استيقظ العراق على فاجعة حريق ضخم في أحد المجمعات التجارية وسط مدينة الكوت، أودى بحياة أكثر من 100 شخص بين شهيد وجريح ، معظمهم من النساء والأطفال. المجمع – الذي افتقر لأدنى وسائل الطوارئ ومخارج النجاة – تحوّل إلى فخ ناري قاتل بسبب غياب البنية التحتية والجاهزية التقنية.
في مثل هذه الكوارث، يمكن للطائرات المسيّرة أن تصنع فارقًا بين الحياة والموت؛ عبر:
- تقييم موقع الحريق بدقة وسرعة فور اندلاعه.
- إرسال صور حرارية لمواقع المحاصرين داخل المبنى.
- توجيه فرق الدفاع المدني إلى أماكن الإنقاذ الأكثر أولوية.
- التحقق من احتمالات الانهيار أو بؤر الاشتعال الجديدة.
هذه الحوادث الدامية تؤكد أن المسيّرات ليست فقط لأمن الحدود، بل لأمن الأرواح في الداخل، وتفرض تساؤلًا حقيقيًا: أين البنية التقنية في الاستجابة للكوارث؟
التحديات: فراغ تشريعي والمخاطر السيبرانية و الأمنية
رغم الفرص الهائلة، فإن العراق لا يمتلك حتى الآن سياسة وطنية شاملة تنظم استخدام الطائرات المسيّرة. هناك فراغ تشريعي واضح، قد يسمح باستخدامات غير قانونية أو حتى عدائية. بعض الطائرات التجارية يمكن اختراقها أو قرصنتها، ما يضع الأمن السيبراني في قلب التحدي.
كما أن غياب سجل وطني للمسيّرات أو جهة رقابية موحدة يعقّد الأمور، وقد يفتح المجال أمام فوضى تكنولوجية في بيئة هشة أمنيًا. هذا الفراغ القانوني والتقني جعل من السهل على أي جهة – داخلية أو خارجية – أن تستخدم الطائرات المسيّرة ضد الدولة نفسها دون رقابة أو رصد فوري.
وفي الأسابيع الأخيرة فقط، تعرضت مواقع عراقية عسكرية ومدنية حساسة لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة، أبرزها:
- الهجوم على معسكر التاجي شمال بغداد، والذي أدى إلى تدمير منظومة رادار متقدمة من طراز AN/TPS‑77.
- قصف قاعدة الإمام علي في ذي قار بطائرة مسيّرة، مما عطّل أنظمة استشعار متطورة.
- استهداف مطار كركوك المدني، في واقعة أثارت مخاوف واسعة حول سلامة المجال الجوي المنخفض.
- هجمات على حقول نفط في إقليم كردستان، سببت أضرارًا اقتصادية وارتباكًا في قطاع الطاقة.
كل هذه الحوادث تمّت دون أن تتمكن الدولة من رصد المسيّرات في الوقت المناسب أو معرفة مصادرها بدقة، وهو ما يكشف عن ثغرة خطيرة في بنية الدفاع الجوي العراقي منخفض الارتفاع، وغياب إطار تنظيمي للأجواء الداخلية.
توصيات استراتيجية لمستقبل متوازن وآمن للمسيّرات في العراق
لمواجهة التحديات المتزايدة، وتحقيق أقصى استفادة من الطائرات المسيّرة في المجالات الأمنية والتنموية، يقترح هذا المقال حزمة متكاملة من التوصيات العملية:
- صياغة استراتيجية وطنية شاملة للطائرات المسيّرة
تشمل الاستخدامات الأمنية والمدنية والبيئية، وتضع أسسًا واضحة لترخيص الاستيراد، وضوابط التشغيل، وإجراءات التسجيل، بما يضمن حوكمة عادلة ومتوازنة لهذه التقنية الحساسة. - إنشاء مركز وطني لإدارة وتشغيل الطائرات المسيّرة
يتبع وزارة الداخلية أو الدفاع، ويعمل بالتنسيق مع وزارات البيئة والكهرباء والموارد المائية، ليكون جهة تنظيمية وتكتيكية مسؤولة عن التخطيط والتشغيل والمراقبة، ومنصة موحدة لتجميع البيانات والتحليل. - الاستثمار في التصنيع والتجميع المحلي للطائرات المسيّرة
من خلال شراكات استراتيجية مع دول تمتلك هذه التكنولوجيا (مثل تركيا، الصين، إيران)، مع التركيز على نقل المعرفة وبناء قدرات محلية في التصميم والتطوير والدعم الفني، وتشجيع الشركات الناشئة العراقية في هذا القطاع الواعد. - إطلاق برامج تدريب وطنية متخصصة
لتخريج مشغلي مسيّرات، محللي صور جوية، مهندسي برمجيات، وخبراء أمن سيبراني مرتبطين بهذه التقنية، عبر مراكز تدريب عسكرية ومدنية، مع ربط المناهج بالجامعات التقنية العراقية. - تطوير تشريعات تقنية وتشغيلية متوازنة
تُنظم الاستخدام الآمن للطائرات المسيّرة، وتحفظ خصوصية المواطنين، وتمنع التجاوزات الأمنية، دون إعاقة للتطور التكنولوجي. وينبغي أن تتضمن العقوبات على الاستخدام غير المشروع، والإطار القانوني للاعتراض والمصادرة. - إنشاء منظومة دفاع جوي منخفض الارتفاع خاصة بالمسيّرات
تُغطي المناطق العسكرية والحيوية والمدنية، وتعتمد على تكنولوجيا الرادارات القصيرة المدى، والتشويش الكهرومغناطيسي، والمسيّرات الاعتراضية. هذه المنظومة يجب أن تُصمم بعقلية هجينة: أمنية وتقنية وسيبرانية. - بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة لتسجيل وتتبع المسيّرات
تُسجل فيها كل الطائرات المدنية والعسكرية والتجارية، مع ربط مباشر بأنظمة المراقبة والتحكم الجوي. تشمل هذه المنصة معلومات عن نوع المسيّرة، المالك، رقم الترخيص، وسجلات الرحلات، مع إنذار مبكر لأي طيران غير مصرح به.
نظرة ختامية
إن تنظيم هذا الملف لا يمكن أن يُترك لتقديرات فردية أو قرارات قطاعية، بل يتطلب قيادة استراتيجية على مستوى الدولة، تُوازن بين الاستخدام الذكي والتصدي للمخاطر، وتحول الطائرات المسيّرة من تهديد محتمل إلى “عين تنموية” ذكية، يكون العراق قد دخل فعليًا عصر السيادة الرقمية. المسيّرات ليست رفاهًا تقنيًا، بل ضرورة وطنية تتطلب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية لتكون فعلاً… أعينًا عراقية في السماء.
مصادر تقنية وعلمية
- World Economic Forum (WEF) – تقرير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في التنمية
- International Journal of Remote Sensing – دراسات بيئية تعتمد على الطائرات المسيّرة لرصد التصحر والتلوث.
- IEEE Spectrum – مجلة الجمعية العالمية للهندسة الكهربائية – مقالات متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتحكم بالمسيّرات – مثال: Drone Swarms Get Smarter With AI.


